ساكورا | 桜
ساكورا | 桜
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

🥀

قالت هيلين أنها لن تشهد تفتُّح أزهار الساكورا هذا الربيع، لأنها على موعد مع سحابة.
إنها تمطر في الخارج، تجلس في مواجهة سماء أصبحت غائبة، عينان تائهتان في بياض السقف، مثبتتان في الفراغ. قالت هيلين قبل دقائق "افتحوا لي النافذة، أريد أن ألمس المطر والسماء والغيوم". في الغرفة فراغ هائل، سكون من كل شيء عدا صوت الصفير المنبعث من إحدى الأجهزة الموصّلة بجسدها، وحبّات المطر التي تبدو الآن وكأنها تطرق في رأسي. وأنظر إلى يداي، تكاد تتلاشى.
كانت الخامسة مساءً من سلسلة الساعات الفاترة ليومٍ طويل تسأم عند نقطة معينة من انتظار انتهاءه. وكان القطار المتوجه إلى طوكيو متأخراً عن موعد وصوله بخمسَ عشرة دقيقة كاملة، تاركاً هارو يتأفف ضجراً. ساعته اليدوية رخيصة حصل عليها من متجر يملكه صديقه، تسير عقاربها ببُطء سَير القَدَر.
تجفل هيلين من الظلام الذي اخترق المكان فجأة مثل وحشٍ ابتلع ضوء السماء، نفق طويل معتم أشبه بثقب أسود، أشبه بذاك اليوم الذي تمزّق فيه شطرٌ من روحها مُخيّط بخيوط قديمة من صندوق الخياطة الحجري العتيق، إحدى ممتلكات جدتها كانت تلك الخِرقة البالية التي أصبحت معلقة في الهواء. في يوم كذا تاريخه كذا، عندما سقطت هيلين عن دراجتها مسبّبةً جرحاً صغيراً في ركبتها وثقباً في بنطالها، ركضت باكية إلى داخل المنزل فقط ليدفع بها والدها للخارج، ونتيجة محاولاتها لاستراق النظر خلفه لمعرفة السبب الذي يجعله مستميتاً لإخراجها كان كل ما رأته قدمان معلقتان في الهواء، فجأةً أصبح الممر أكثر اتساعاً، وازداد الهواء كثافة، وغرقت هيلين داخل جسدها، فراغ لازمها مذ تلك الظهيرة القاتمة ويتمدد، وصدى نحيب لا يُعرف مصدره.
لم تتفتح أزهار الساكورا ذاك الربيع، لكن السماء كانت صغيرة ودافئة على نحو غريب، كحِضن والدتها.
كان ظلّها الصغير مستلقياً على العشب المقلّم بعناية في حديقة منزل لا تألفه، وعيناها باتصال مع ذاكرتها تحاولان تذكُّر وجه المرأة الواقفة مقابل والدها، أكاني، هذا كان اسمها، لم تملك الرغبة أو النيّة في تذكرّه مجدداً، اكتفت بمناداتها بـ السيّدة كوغيساكي، زوجة السيّد كوغيساكي سائق حافلة المدرسة التي يرتادها معظم أطفال البلدة، تذكرت بصعوبة أن تلك السيدة قد شاركت والدتها الشاي من قبل، تملك وجهاً مدوّراً وعينين ناعستين حدقتا في وجه هيلين بعناية، وشعرت الصغيرة بدفءٍ في صدرها حين خرج صوت السيدة كوغيساكي رقيقاً يخبرها أن تدخل للّعب مع ابنها هارو، لكن البرودة أكلت قلبها الصغير عندما أصبحت تملك خزانةً خاصة بها في غرفة هارو.
ظلّ يعتصرها ألم في مكان عميق في جسدها لم تستطع لا الإشارة إليه بطرف سبابتها ولا حصره في عضو معين، لشدّة عُمقه تجرأت وقالت أن الألم في روحها، رغم أن مفهوم الروح بالنسبة لفهمها الساذج كان يقتصر على بقعة الظل أسفل جثة والدتها المعلّقة في السقف، صغيرة، داكنة، ومخيفة، أو كما دوّنت والدتها في رسالة انتحارها 'روحي خِرقة بالية'. أخبرها هارو الذي يكبرها بسنوات قليلة أن الروح هي البحر الذي بداخل الإنسان، أبحرت كلماته في رأسها كثيراً لتصل إلى استنتاج أن هذا العالم كله بتضاريسه وسكانه هو صراع داخل إنسان أكبر، وحلُمت برؤية العالم الحقيقي من عيني ذلك الإنسان الضخم الذي يتسع داخلُه لكُل هذه الحيوات.
لكن الواقع والحقيقة أنها رأته من موقعها الثابت على الكرسي البلاستيكي خلف زجاج النافذة، حيث بدت لها كل أشياء الحياة حية ومتحركة، النافذة هي شاشة عرض ترى منها الحياة تمضي وأنت ثابت في مكانك، حتى يُصبح عدد السنوات أكثر مما تستطيع عدّه على أصابعك فتسأم العَدّ. القضية برمتها قضية أرقام، ولم تكُن أبداً على وفاق مع الأرقام
كل ما كان عليها فعله هو التحديق بزهرة الساكورا أثناء رحلتها إلى الأرض، لِتَعي أن كل شيء هو مجرد سلسلة من الأرقام. تسقُط الزهرة أمام عينيها، كالسنوات الضبابية الماضية، وآلاف الأرقام التي سقطت لتُشكّل السنوات الثماني عشر من عمرها.
في مساء يومٍ سرمديّ الوجود لا جدوى من تسميته أو ترقيمه، تُضيء شمعة فوق قالب الكعك المدوّر، وتطلب من هارو أن يتمنى أمنية، أربعة ثوانٍ وتسعة عشر جزء من الثانية هو عمر الهواء الذي يغادر شفتيه ليعانق شعلة النار الضئيلة، وتشاهد هيلين رقصتهما الأخيرة معاً، وتُفكّر... كل شيء هو مجرد سلسلة من الأرقام، تموت ثم تحيا وتكبر وتتضاعف وتنمو وتُلقي بنا من حافة النسيان، وتستمر.
في رسالة صوتية تُخبرها يُوا أن تتجاهل خوفها من الأرقام، لأنه لا نهاية لها، ولأن الحياة سلسلة من الأرقام فإنه لا توجد نهاية للحياة، وأن الموت كذبة سخيفة، لأن الروح لا تموت، ولأن الجسد هو وعاء الروح. الموت يحرر الإنسان من قيوده، الموت هو الأمل الوحيد في هذه الحياة. تجد يُوا دائماً طريقة ما لتحقن نوعاً مشبوهاً من التفاؤل في وريد هيلين، وأحياناً تدفعها لاستنشاقه، أو تدخينه. لكن هيلين إنسان ضعيف، لها قوّة نفسية ضعيفة، كالإنسان الطبيعي. ولا يجدي تعاطي التفاؤل معها نفعاً.
سرحت بها هذه الفكرة عائدةً إلى أوائل ذكرياتها وأول أسباب شتاتها. وفكرت، هل اخترقت الفكرة ذاتها رأس أمها حين لفت الحبل حول عنقها وتأرجحت في الهواء محرّرةً روحها لملجأها الأخير؟ هل رأت الحياة في الموت؟ يأتيها عقلها بالإجابة سريعاً، نعم، على ما يبدو. هل فكرت بابنتها الوحيدة قبل أن تفعل ما فعلت؟ لا. فوالدتها أيضاً إنسان ضعيف، وقوّتها النفسية ما هي إلا قوّة دولة عالم ثالث.
لماذا للإنسان قوّة نفسية ضعيفة؟
لأنه لا يُحب إلا نفسه.
حين يقول الإله جوبيتر في مسرحية أمفيتريون بعد أن أنهى تحوّله الكامل إلى كائن بشري : " ... أشعر أنني أجمل من أبولو، وأكثر شجَاعةً من مارس، وللمرة الأولى أشعر أنني حقاً ملك الآلهة" فيٌبشره خادمه ميركوري أن تحوله البشري ناجح فيقول : "إذاً فقد أصبحت إنساناً حقاً!". فِكرة أن يشعر الإله بألوهيته بعد أن يحوّل نفسه إلى إنسان فاني لا تُفسَّر تفاخر بالقوة، بل إن عقله الذي استبدله بعقل بشري هو ما دفع هذا الفخر في كيانه، كأي كائن بشري آخر يفتخر بذاته ويحبها بلا أي شيء، لمجرد وجوده يرى نفسه مميزاً، لا يبالي إذا مات الجميع طالما يظل هو على قيد الحياة، أياً كان معنى الحياة في منظوره. أنانية بحتة تُضعف روحه كلما تقادم بالزمن.
ربما هذا هو مصدر خوفه الأكبر، بجانب كل مخاوفه الصغرى الأخرى.
لكن، ما معنى أن يكون الإنسان على قيد الحياة؟ ما مفهوم هذه العبارة؟ كيف يُمكننا الجَزم بأننا أحياء؟ يجيب هارو "عندما نتقلب في منحنيات المشاعر نكون أحياء". من شرفة منزلهم الصغير يبدو الشارع الإسفلتي شديد الجاذبية، يلوّح لها طيفٌ من بعيد. ترى هيلين المشاعر على أنها كتلة الطاقة الضئيلة والحساسة جداً والتي تُصعّب على الإنسان عيشه، ويرى هارو أن لولاها لما استطاع الإنسان أن يعيش. تلوّح هيلين للطّيف الذي يسير مقترباً باتجاهها، وتتمكن من التقاط ملامح وجهه الناعمة، تألفها، وتتشكل كتلة الطاقة المسماة 'مشاعر' لتمثل الحنين، شعور مريب يدفعها للقفز نحوه، وتتأكد أنها حيّة، في قالب ميّت.
كانت تلك محاولتها الأولى والأخيرة للخروج من القالب المتعفن الذي أفسد محتواه.
الإنسان فريسة مخاوفه، وهي تعي تماماً مخاوفها، وتعي أنها وقعت بين شفتيها، وتستمر في العيش، كشخص تعيس يتبخر في الهواء، مثل دخان سيجارة.
يتكاثف الدخان في الحيّز الضيّق للغرفة.
"هذه هي الحياة" تقول يُوا، تلوّح يدها بعشوائية في الهواء، فيهوي الرماد. وتتلمّسه، بأطراف أصابعها، "هذا هو الأمل".
اكتست المدينة بالأبيض، كعروس. كوّرت هيلين الثلج بين كفّيها، حددت الهدف، ثم أطلقت قذيفتها الهشة، وحلمها بارتداء الأبيض، معاً نحو مصير حتمي بالذوبان والتلاشي. "هذه هي الحياة، هذا هو الأمل" وترى أن الضوء الذي لاطالما ركضت نحوه في نهاية النفق، هو الواقع يوقظها من هلوساتها.
يبدو أن الإنسان الذي يدور هذا العالم كله بداخله بحاجة لمساعدة عاجلة.. هذا العالم، مريض عقلياً، وهي تدفع ثمن تحمله بالتخلي عن أحلامها الواحد تلو الآخر. هل تستحق أن تحلم في عالم يفرض على الفرد نمط أحلام معينة؟ نُسخ، والانفراد بفكرة جريمة. لم ترَ أن حلمها يستحق، لأن العالم لن يتغير لأجلها، الواقع لن يحتلّه الخيال لأجلها. فتاة ضئيلة الحجم، شاحبة البشرة، لن تقدر على حمل سيف، وإن كان من ورق، خسرت المعركة قبل أن تبدأ.
تحتاج معجزة. إن تحقق هذا الحُلم، سأستعيد ذاتي. لا أريد شيئاً من هذا العالم سوى ذاتي التي دفعت ثمن حرب لم تخُضها. تحتاج معجزة، قوة خارقة تنتشلها من المستنقع. في المنزل الذي تفوح منه رائحة القرفة، تهرول إلى غرفة هارو "هل تؤمن بالمعجزات؟"
"المعجزات أمل لمن يحتاجها" يقول هارو، وتغمر أنفها رائحة السجائر، "من يحتاج شيئاً يؤمن به ولو كان أسطورة"
"وهل يُفيدنا الإيمان في شيء؟"
"يُعزّينا ما دمنا أحياء"
ما الجدوى من الطمأنينة المخادعة؟ أن تؤمن بشيء تهدّئ به اضطراب البحر، وهي على دراية تامّة أن البحر حقيقي، وأن وجود وسيلة لتهدئة اضطرابه ما هو إلا ضرب من الخيال.
تقرر أن تحرق كتاب حياتها وتلقي برماده على قوارع الطريق. ثم تبدأ من جديد. تُخبرها السيدة العجوز في مكتبة الحي أن "لا تفقدي لُطف قلبك" . ليست لطيفة، وليست تلك نصيحة مميزة، بل هي كأخواتها من النصائح التي تغادر فم العجوز بهدف أن تظل عالقة في الأذهان، فيعود الزبائن للمتجر مرة ثانية. لكن قلب هيلين ليس لطيفاً، قلب هيلين منهك. قلبها سئم الشعور، فأصبح يحارب كل شيء بالصمت والابتسام.
تضيء عواميد الإنارة في موعدها المعتاد كل ليلة، وتدرك هيلين أن العالم لن يتوقف حداداً على قلبها المتعطل، بل لن يلاحظ حتى. الحياة تستمر. وتجلس هي في مكانها على المقعد البلاستيكي تراقبها وهي تتقدم، تاركةً إياها في الخلف.
تتباطئ سرعة القطار تدريجياً. شيئاً فشيئاً، تبدو كل الأشياء المتحركة أكثر ثباتاً. وتبدأ هي بالاهتزاز. يلوح لها طيف من بعيد، وتبتسم له، يُعيد إحياء ذكريات دُفنت حيّة منذ زمن لم تسجله. زمن لم تذكُره. يتدفق في ذاكرتها كنهرٍ لا يحمل سوى الشوائب. تحمل حقائبها وتشق طريقها وسط الفوضى البشرية. يرفع هارو عينه عن ساعته اليدوية، وتلتقي نظراتهما. تسقط جميع الوجوه، يتوقف الزمن عن الدوران، يعلو صوت الصفير، وينتشر الرماد على قارعتي الطريق.
عانقت قطرات المطر وجهها الشاحب، لمست يداها الغيوم، والتفّا معاً في عناقٍ حميم في رحم السماء. وقبّلت زهرة ساكورا جديدة تراب الأرض.
قالت هيلين أنها لن تشهد تفتّح أزهار الساكورا هذا الربيع، لأنها ستحمل عالمها الجريح إلى الغيوم، حيث بداية قوس قزح، حيث أخبرها هارو أنهما سيلتقيان حين تخمد النيران وتتوقف المدينة عن الصراخ. أصبح في العالم سكون من كل شيء، عدا صوت والدتها يُنادي النهار ليُشرق.
____
انتهت.
11 قراءة
1 إعجاب
2 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (2)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ أسبوع
قالت هيلين أنها لن تشهد تفتُّح أزهار الساكورا هذا الربيع، لأ...
أحب الاجواء اليابانية ذي مرةة
منذ يومين
كانت الخامسة مساءً من سلسلة الساعات الفاترة ليومٍ طويل تسأم...
حبيييت الوصف

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.