Part 1
لنبدأ دون أيّ مقدمات..
------------------------------------------------------------------------
" ماذا تفعلون هُنا أيّها الأشقياء؟ "
التفتْ أربعتهم نحوَ مصدر الصوت بفَزَع..
فرأوا وجه الرجل الخمسيني الذي اعتادوا رؤيته كلّما جاؤوا إلى حديقة، كان ينظر إليهم بغضب وحقد شديد، كأنّه ينوي إبراحهم ضربًا..
فلاذوا بالفرار مُسرعين من الحديقة التي دفنوا فيها صندوقًا خشبيًا للتوّ.. لكنّ صديقهم الرابع بقيَّ واقفًا مكانه ينتظر قدوم الرجل نحوه بينما كان أصدقاؤه يصرخون فيه ليذهب معهم.. لم يُعرهم الاهتمام وبقيَ يُحدّق في الرجل الذي كان يقترب منه بوتيرة سريعة في نيّة لضربه لكن ليس هذه المرة، ودون أن يلحظه أحد دسّ يده بخفّة في جيب بنطاله وأخرج منها مُدية صغيرة وفور أن اقترب الرجل ليقبض عليه قام الولد بحركة سريعة وغرس المُدية في فخذ الرجل كدفاع عن النفس لأنّه سئم من التوبيخ والضرب الذي كان يلقاه كلّما دخلوا إلى الحديقة، جاعلًا من الرجل يصيح مُتألّمًا بشدّة وذهب بعدها إلى أصدقائه تاركًا المُدية في فخذ الرجل وهوَ يتأوه ألمًا ويستنجد..
- هيّا لنذهب
استوقفه إحدى أصدقائه قائلة له بعتاب..
- ماذا فعلتَ للرجل المسكين؟ كان عليك الهرب معنا وحسب
- لا تقلقي يا (نتالي) سيكونُ بخير
ظلّ الصمت يُرافقهم ولم يجرؤ أحد بعدها على سؤاله عمّا فعل وأكملوا طريقهم، حتى قال مجددًا..
- فلنجتمع في تلك الحديقة مجددًا في نفس اليوم والشهر بعد ثماني سنوات لنقوم بفتح الصندوق
سألتْ إحدى الأصدقاء بفضول طفولي..
- كم ستكون أعمارنا حينها؟
- عشرون، ألا زلتِ لا تُجيدين الحساب يا (جونا)؟
- بلى أُجيد الحساب، وسأصبح أفضل منك فيه سترى يا (داني)
ردّت (جونا) بغضب على سؤال صديقها المُستفّز
صمتوا مُجددًا وأكملوا طريقهم نحوَ منازلهم، وقبل أن يفترقوا عن بعضهم سأل أحدهم..
- ماذا إن نسيَ أحدنا الموعد؟
- لا يجب أن ننسى يا عزيزي (جوش)
قالها (داني) وهوَ يُربّت على كتف صديقه بخفّة فابتسم له
ثمّ ذهب كلّ واحد منهم في طريقه وأكملت الصديقتان طريقهما معًا..
- أشعر أن (داني) أصبح غريب الأطوار هذه الأيام
- معكِ حق، لم أجرؤ على سؤاله كيف استطاع غرس ذلك الشيء في فخذ الرجل حتى..
انتفضت (جونا) مُشمئزة عندما تذكرت ما رأته قبل قليل..
...
مَرّت السّنوات وتوالت، وقد كان ذلك اليوم هوَ آخر يوم يرون صديقهم (داني) فيه، فقد علموا من بعض جيرانه أنّه قد انتقل مع والدته إلى بلد آخر..
...
خرجتْ (نتالي) ذات الثامنة عشر عامًا من منزلها صبيحة يوم وصفته بالمُنعش، كان مزاجها رائقًا للغاية، تتمشّى كعصفورة تحررّت من قفصها بتنّورتها الحمراء ذات الرفرفات المُتطايرة..
وقفتْ أمام منزل صديقتها الذي كان يبعد عن منزلها دقيقتين فقط وقبل أن تشرع بطرق الباب خرجت (جونا) من المنزل بابتسامة مُشرقة ودارت دورة كاملة حول نفسها وهيَ تفتح ذراعيها قائلة..
- صباح الخير لأوّل يوم جامعيّ، آه كم أنا مُحتمّسة
- دعينا نذهب قبل أن نتأخر على الحافلة ويتحوّل حماسكِ إلى شيء آخر يا فتاة الرياضيات
تجهّمت (جونا) بينما ابتسمت (نتالي) بسُخرية..
- هل تسخرين يا فتاة الترجمة؟
- ماذا عن فتى الهندسة؟ هل يجب نصحبه معنا؟
قالت (نتالي) بتساؤل
- إن لم يذهب قبلنا أصلًا
ردّت (جونا) بتهكّم
...
ذهبت الفتاتان إلى منزل صديقهما (جوش) لتصحباه معهما لكنّهما وجدتاه قد ذهب بالفعل
- أخبرتكِ أنه سيذهب قبلنا
قالت (جونا) بينما كانتا تركبان الحافلة
- لا بأس، كي لا نكون خائنتان
ردّت (نتالي) وهما تجلسان في مقعدان مُتجاوران
وبينما كانتا تتحدّثان حول أمور مختلفة، سمعتا صوت مُذيع الأخبار يصدر من شاشة صغيرة كانت مُعلّقة في الحافلة..
" تعيش مدينتنا اليوم حالة من القلق والرهبة بعدما تمّ العثور على الضحية الرابعة خلال أقل من شهر مقتولة في منزلها وهذه قضية يُعتقد أنها مرتبطة بقاتل متسلسل لا تزال هويته مجهولة، وتشير الشرطة إلى أن الجرائم الأربعة التي حدثت تحمل نمطًا متشابهًا، ما دفعها إلى تشكيل فريق تحقيق خاص لملاحقة الجاني، كما أكّد المتحدث باسم الشرطة أن جميع الأدلة تشير إلى أن المنفذ شخص واحد، إلا أن المحققين لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد هويته أو دوافعه، رغم تلقيهم عشرات البلاغات من المواطنين، ودعت السُلطات السكان إلى توخي الحذر، وتجنب التنقل منفردين في ساعات الليل المتأخرة، مع الإبلاغ الفوري عن أيّ تصرفات أو أشخاص يثيرون الشك "
نظرتْ الصديقتان إلى بعضهما بتساؤل واستغراب، حتى نطقت (نتالي) قائلة..
- ماذا عن حفلة الليلة؟ ألن نستطيع الذهاب؟
- هل هذا ما يُهمكِ؟! انظري للأخبار، لقد وجدوا أربع جثث ولم يستطعوا القبض على القاتل بعد
ردّت (جونا) بغضب طفيف ما جعل (نتالي) تلتزم الصمت حتى وصلتا إلى الجامعة أخيرًا..
...
- هل رأيتما آخر الأخبار؟ لقد قاموا بنشر صورة الضحية الرابعة التي قام القاتل المتسلسل بقتلها
قال (جوش) بينما كان يعرض هاتفه لصديقتيه وهم جالسون في كافيتيريا الجامعة يتناولون غدائهم..
- أشعرُ أنّ هذه الملامح مألوفة عليّ..
قالتْ (جونا) وهيَ تُطيل التحديق في الصورة، بينما أفزعتها شهقة (نتالي) التي كانت تجلس جانبها..
- لقد تذكّرتُ من تكون
- من؟
- إنّها والدة (داني)، ألا تذكرانها؟
- بلى معكِ حقّ، ياللمسكينة ماذا فعلتْ كيّ يقتلها هذا المجنون؟
لا أصدّق هذا
قالت (جونا) بتعاطف
- أتسائل عن حال (داني)، بالتأكيد أنّه يعيش فترة صعبة الآن وخصوصًا أنّه بقيَ وحده
- ياللمسكين هوَ الآخر، لو نعرف مكانه لنزوره ونواسيه
- هوَ من اختار الابتعاد، ليس علينا أن نبحث عنه
قال (جوش) بغلظة وصرامة
- أتذكران ذاك الصندوق الخشبي الذي دفنّاه في الحديقة برفقة (داني) قبل ست سنوات؟
سألت (نتالي)
- آه.. لمَ لا نقوم بفتحه؟
- لكننا اتفقنا أن نفتحه بعد ثماني سنوات
- ومن يكترث؟ (داني) لن يحضر أساسًا
- ماذا لو أتى في الموعد الذي اتفقنا عليه ولم يجد شيئًا؟
- أشكّ في ذلك
- حسنًا لنتتظر عامين آخريْن، ستمضي الأيام بسرعة على أيّ حال
- كما تُريدان، مع أنني أشعر بحاجة مُلحّة لفتحه الآن
- اصبر يا (جوش)، اصبر
- لا تقلق، سأضع مُنبّهًا للتاريخ المُحدد من الآن كي لا ننسى فتح الصندوق
قالت (نتالي) بينما كانت تعبث بهاتفها
...
مَرّ عامين بالفعل على ذلك اليوم، اليوم الذي سمعوا فيه عن آخر جريمة قتل حدثت (الجُثة الرابعة)..
فتحتْ (نتالي) عينيها النائمتين بانزعاج من صوت مُنبه هاتفها الذي صدح صوته في الأرجاء، ودون أن تنهض من السرير أخذت الهاتف وقامت بإطفاء المُنبه وعادت للنوم مُجددًا..
لكنّها سُرعان ما أدركت الأمر وفتحت عينيها مُجددًا لتتيقّن مما رأته قبل قليل
- هل اليوم هوَ يوم فتح الصندوق؟
سألتْ نفسها بينما كانت تفتح هاتفها على عجلة للتتأكّد
- أجل اليوم، يالسرعة الأيام
قالتْ وهيَ تنهض من سريرها بحماس وسعادة
نفضت فراشها ورتّبته جيدًا، فرّشت أسنانها وغسلت وجهها ثمّ ارتدت ملابسها وخرجت دون تناول الفطور، كانت تقصد بيت صديقها (جوش)..
- ما الذي أتى بكِ في هذه الساعة الباكرة؟
سألها (جوش) وهوَ يفرك عينيه ويتثاؤب من شدّة النُعاس
- أتعرف ما اليوم؟
سألته هيَ بابتسامة ظنًا منها أنّه يعرف الإجابة
- ما اليوم؟ إنّه ليس يوم ميلادك حسبما أذكر، وليس يوم ميلاد (جونا)، وليس يوم...
- إنّه يوم فتح الصندوق
قالتْ بحماس شديد مُقاطعةً ثرثرته..
...
وقف ثلاثتهم حول المكان الذي دفنوا فيها الصندوق الخشبي قديمًا وهم يتأمّلونه بأعين لامعة
يسترجعون ذكريات الطفولة الجميلة حينما كان أربعتهم يعودون من المدرسة ويجلسون سويًا تحت ظلّ الشجرة يتبادلون همومهم وأسرارهم ويتشاركون طعامهم وأدواتهم المدرسية..
- لمَ لا نقوم بفتحه وحسب؟
قال (جوش) بتذمّر
- كلّا، سننتظر قدوم (داني)
- وماذا إن لم يأتي؟ هل سننتظره إلى الأبد؟
- سيأتي، أنا مُتيقنة من ذلك
- سأنتظره ساعة واحدة فقط..
مّرت نصف ساعة.. ساعة.. ولم يظهر (داني).. ومع إصرار كلّ من (جونا) و(نتالي) جلسوا بانتظاره أكثر.. مرّت ساعة ونصف.. ساعتان.. حتى طفح الكيل لدى (جوش)
- حسنًا، هذا يكفي لنفتحه الآن
غُلب على أمرهما، فهما أيضًا قد مللتا من الانتظار وطاوعتا (جوش) في قراره، فجلس ثلاثتهم على الأرض وبدأوا بالحفر في التراب، حتى أحسوا بشيء صلب وقد تيقّنوا من أنّه الصندوق، قاموا بإخراجه وأصبح أمامهم أخيرًا
- هل يتذكّر أحدكما ماذا كتب في رسالته لنفسه؟
سألتْ (جونا) صديقيْها
- أنا لا أتذكر شيئًا إطلاقًا
- ولا أنا
جلس (جوش) في المنتصف والصندوق أمامه، على يمينه (جونا) وعلى يساره (نتالي)، فقد كلّفتاه بمهمة فتح الصندوق
أخذ نَفَسًا طويلًا وفتح الصندوق..
ساد التوتر وعمّ الهدوء فجأة وأصبحت الرياح اللطيفة تُداعب وجوههم المُكفهرة..
- ماذا؟
- ألا يوجد سوى ظرف واحد؟
أمسك (جوش) الظرف الوحيد الذي وجدوه في الصندوق وأخذ يفتح فيه بعنف وتوتر واضح، أخرج الورقة أخيرًا ويداه ترتجفان فراح يقرأها على مسامع صديقتيْه..
" أصدقائي الأعزّاء، (جوش) و(جونا) و(نتالي)، سعيدٌ بأنّكم تقرأون رسالتي هذه، أعرف أنّ الكثير من الأسئلة تضجّ في رؤوسكم الآن وسأجيبكم على قدر ما أستطيع منها
دعونا الآن نعود للوراء قليلًا، قبل ثماني سنوات عندما أخفينا هذا الصندوق في تراب الحديقة، عندما صرخ بنا ذاك الرجل أقسم لكم أنني لم أفعل ما فعلته سوى دفاعًا عن النفس، فقد سئمت من إهانته لنا في كلّ مرة يرانا بها، شعرتُ بالحقد الشديد تجاهه حينها وكرهته جدًا، الحديقة ليست ملكه لمَ كان يمنعنا من القدوم إليها إذًا، كنتُ طفلًا جاهلًا ولا أفكّر بعقلانيّة ولا أحسب نتائج أفعالي أبدًا، ففعلتُ ما فعلتُه وغرستُ تلك المُدية في فخذه، ويا ليت أنّ يدي كُسرت قبل أفعل ذلك
بالتأكيد أنّكم تتسائلون الآن لمَ أقول هذا الكلام؟ حسنًا
لقد عرفتُ في نفس اليوم أنّ الرجل الذي طعنته بالمُدية نُقل إلى المستشفى، لقد أصابت طعنتي له الأعصاب والأوتار وأدّى ذلك إلى شلل في الجزء السفلي من جسمه، بات الرجل لا يستطيع تحريك سيقانه، وفور ما أخبرتُ أمي أنني من طعنته
أخذتني وهربت بي بعيدًا عن هذه المدينة، عشنا هناك أيام جيدة وكوّنا حياة جديدة وتعرّفتُ على أصدقاء جُدد وأكملتُ دراستي وظننتُ أنّ الأمر قد انتهى، إلى بعد ست سنوات بدأ الأشخاص المُقرّبون منّي يبتعدون عنّي شيئًا فشيء حتى حصلت أول جريمة قتل لصديقي المُقرّب الذي أعزّه كثيرًا، ثمّ الفتاة التي أحبّها، ثمّ الاستاذ الذي كان يُدرّسني ويُحبّني وأحبّه، وأخيرًا أمي
وقد تمكّنتُ مع الشرطة من تحديد هوية القاتل أخيرًا لكننا لم نقبض عليه بعد، لقد كان ابن الرجل الذي طعنته سابقًا
كان يُرسل لي الكثير من رسائل التهديد والوعيد
لقد أقسمَ أنّه سيؤذي كلّ من أحبّهم ويجعلني أتألّم على فقدانهم ثمّ سيقتلني انتقامًا مني لوالده الذي أصبح مُقعدًا بسببي، وهذا سبب عدم حضوري اليوم، لا أريدكم أن تتأذّوا بسببي، لقد طفح الكيل، لقد نال منّي هذا المجرم بالفعل، لكنّه لن ينتهي قبل أن يقضي عليّ أيضًا، هذا رقمه 555 احذروه
وأخيرًا.. تتسائلون أين ذهبت رسائلكم، لقد أخذتها لأحتفظ بها لنفسي لذا لا داعي للقلق ووضعتُ هذه الرسالة مكانها "
وقبل أن يُعلّق أحدهم بأيّ كلمة أو يتفوّه بأي شيء
وصلتْ رسالة إلى هواتفهم جميعًا في نفس اللحظة
ففتحوها على عجلة وكان الرقم المُرسل هوَ 555
كانت الرسالة التي تمّ إرسالها عبارة عن صورة..
صورة لجثة صديقهم (داني)
-انْتَهَتْ-
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!