تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الانتظار الأخير:
الانتظارُ الأخير
بقلم الكاتبة: مانيا الدرميني
لم تكن تلك العينان عاديتين، كنت أراقبهما طوال الوقت، وقلبي يعتصر ألمًا عليه.
كنت أراقب تلك العينين المرهقتين، وقد أحاط بهما السواد بشدة، تمتلئان بالدموع التي تظهر ثم تختفي، ليخفي ضعفه الذي كان واضحًا أمامي بكل جلاء.
كم حاول أن يمازحني ويخفي تلك المشاعر حتى لا يصيبني القلق، لكنه لم يكن يعلم أن داخله هو ذاته داخلي، وأن ما يؤلمه يؤلمني أكثر، وكانت نار خوفي عليه تتأجج في صدري.
كنت أرى الانتظار القاتل في تلك العينين، رغم محاولاتي الفاشلة لإبعاده عن ذلك الشعور، من خلال أحاديث كنت أختلقها له، أو قصص أقرؤها عليه.
كان يرسم على وجهه ابتسامة مخادعة ليبعد عني الهم والإحساس بالقلق عليه، ثم يكظم آلامه حتى لا أشعر بها.
لكنها كانت واضحة، وفي كل لحظة كانت تمزق قلبي وروحي.
ومع اقتراب الوقت، أصبح يميل إلى الصمت أكثر، وأصبحت عيناه أكثر جمودًا وسكونًا. لم تعد أحاديثي وقصصي ومحاولاتي تلهيه.
وكنت أحاول دائمًا أن أطمئن على حاله من الأطباء، لكنهم أخبروني بأنها ساعاته الأخيرة، وأن حالته الصحية لم تعد على ما يرام.
وفي تلك الليلة، وفي ساعاته الأخيرة، تدفقت الذكريات كلها؛ عن طفولته، وأصحابه، وعنّا نحن أولاده.
كم حدثني حينها عن الانتظار وصعوبته، وكأنه كان ينتظر السلام والخلاص.
حدثني عن أمي، وعن قصة عشقه الجنوني لها، وعن أيامهما معًا.
وفجأة، بدأ يطلب الجميع، وبصوت متحشرج مبحوح طلب رؤية أمي وإخوتي فورًا.
ورغم إخباري له بأن الوقت متأخر جدًا، فإنه أخذ يصر على ذلك، ويقول:
- لم يعد هناك وقت يا بني، أريد أن أراهم، أرجوك، أريد أن أغمض عيني للمرة الأخيرة قبل أن...
هنا وضعت يدي على شفتيه، ودموعي تتسابق على خدي، وقلت له:
- لا يا أبي، لا. ستشفى، أرجوك ارتح، ولا تتعب نفسك. غدًا سيأتون جميعًا، فمنذ قليل كانوا هنا.
لكنه ازداد شحوبًا، وأخذ يشير بيديه إليّ، ويصر على رؤيتهم.
وراح يوصيني بهم جميعًا، وكرر حديثه عن الانتظار القاتل.
سألته عما يقصده، وما الذي ينتظره، فقال لي:
- اللحظات الأخيرة من عمر الإنسان، انتظارها صعب جدًا يا ولدي.
جهشت بالبكاء، وطلبت منه أن يرتاح، لكنه شهق بقوة، وشخصت تلك العينان وهما تنظران إلي، وكأنهما تخبراني بأنه سيشتاق إلي كثيرًا.
مات أبي وهو ينتظر لحظاته الأخيرة بين يدي.
ضممته، ناديته، لكنّه لم يعد يجيبني.
انتهى انتظاره هو، وبدأ انتظاري أنا؛ ذلك الانتظار الأصعب، انتظار اللحظات التي ستمضي من دونه.
كان أبي السند والصديق والقدوة لي ولإخوتي، وهو الآن لم يعد موجودًا بيننا.
كان ذلك في السابع من آذار، حين غادرنا إلى الأبد، وبقيت أنتظر هذا التاريخ كل عام، لا لأحيي ذكرى وفاته مرة واحدة، بل لأحيي ذكرى حياته بيننا ألف مرة.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!