//البدايات كالنهايات//
•~•~•~«البداية كالنهاية»~•~•~•
في ليلة كئيبة كحال حظها الذي أبكى السماء دموعاً أغرقت الأرض، جاعلة من تلك الغابة المظلمة مسرحاً لرعبٍ لم تكن تتخيله يوماً. كانت السماء تعبث بها، كأنها تريد أن تأخذ بثأرها.
المطر الغزير ضرب الأرض بعنف، وكأنه يغسل ذنوب العالم، لكنه لن يغسل يوماً ذنوب أولئك الذين يطاردونها.
الغابة التي كانت عادةً مكاناً للهدوء والسلام، تحولت إلى متاهة مظلمة مليئة بالأصوات المخيفة. الأشجار العالية، التي بدت وكأنها أشباح بهالات سوداء عملاقة تراقب الفتاة.
جرت بين الاشجار بسرعة متجاهلة نفسها الذي يكاد ينقطع، هي تجري منذ اكثر من نصف ساعة.
خصلات شعرها الداكنة والمبللة بالمطر كانت تلتصق بجبهتها الشاحبة كسائر وجهها، الخوف والإرهاق تملكاها ولم يبدوا أن للغابة نهاية.
كانت تتنفس بصعوبة، وصوت أنفاسها يختلط مع صوت المطر الذي يقرع على أوراق الأشجار.
من فتاة القصور المترفةً الى رهينة غارقة في الوحل،قدماها التي اعتادت على ارتداء احدث صيحات الموضة والكعوب لم تعد تتعرف عليهما من الجروح والوحل الذي غطاهما.، وجدت نفسها فجأةً في وسط هذا الكابوس.
لم يكن لديها وقت للتفكير في ماضيها وحياتها هنا توشك على الانتهاء، كل ما كانت تفكر فيه هو أنها يجب أن تهرب. كانت قد هربت من قبضة عصابة خطفتها، ولفترة لم تعرف حتى مدتها لم يسأل عنها أحد، هل تخلوا عنها؟ أبوها، أخوها!
أصوات الرجال وصلت لمسامعها، كانت تعرف أنهم سيتبعونها، لكنها لم تكن تتوقع أن يكونوا بهذه السرعة. أقدامها كانتا تؤلمانها من الجري، لكنها لم تستطع التوقف. في هذه اللحظة فقط علمت أن التوقف يعني الموت أو شيئاً أسوأ.
الغابة كانت مليئة بالأصوات المخيفة، صوت الرياح التي تعصف بالأغصان، صوت الحيوانات التي تتحرك في الظلام، وصوت خطواتها التي كانت تبدو وكأنها تعلن عن مكانها.
تعثرت خطواتها بحجر مغمور في الوحل، بم تره عيناها وسط الظلام، لتسقط على الأرض الموحلة. شعرت بالألم ينتشر في جسدها، بداية من ركبتيها وساقيها الى ذراعها التي حمت بها نفسها من الوقوع، مع ذلك لم تملك الوقت للتفكير فيه.
نظرت حولها بسرعة، وعيونها الواسعة تبحث عن مكان للاختباء. رأت تجويفاً عالياً في الأرض، خلف جذع شجرة ضخمة. زحفت نحوه بسرعة، محاولةً ألا تصدر صوتاً. المساحة ضيقة لكنها استطاعت أن تختبئ فيه، وتجعل جسدها يختفي في الظلام.
قلبها كان ينبض بسرعة جنونية، وكأنه سيخرج من صدرها. وضعت كف يدها على فمها محاولة كتم شهقاتها مهدئة من نفسها، لم تستطع. كانت تعلم أنهم قريبون.
أصوات لخطوات ثقيلة برزت بين ألحان المطر، وكأنها تنتمي لرجل ضخم. أغلقت عينيها تدعوا
«تباً، أقسم اني سأكون فتاة جيدة تذهب للكنيسة كل أحد، فقط فل ينقذني الرب»
محاولاتها للاختباء باءت بالفشل، وشعورها بوجود ذاك الكيان يقف خلفها زادها رعباً، فتحت عينيها ببطء لترفع رأسها وتنظر من خلف الجذع، كان هناك رجل ضخم يقف على بعد أمتار قليلة منها. بسترة سوداء وبندقية في يده. عيناه تجولان في الظلام عن أي حركة، وكأنهما تعرفان أنها هنا.
أعادت اخفاء رأسها، أي حركة خاطئة منها وسيعثرون عليها، شدت قبضتها على المسدس في يدها الى ان ابيضت اصابعها، من الجيد أنها سرقته من أحد الحراس عندما هربت.
بحركة بطيئة وسلسة وكما تم تدريبها في مراهقتها، أخرجت المسدس ورفعته بيد مرتعشة. الرجل كان يقترب أكثر فأكثر لكنها لم تنتظر، بمجرد ان أولاها ظهره أطلقت النار.
صوت الطلقة دوى في الغابة ومجدداً فشل لحنها في التغطية على جريمتها. استقرت الرصاصة في خاصرته اليمنى من الخلف وسقط لتختلط دماءه مع ماء المطر.
وكما تجلب الحلوى الذباب جذبت الرصاصة أصدقائه، سمعت أصواتاً تقترب من كل اتجاه لتنهض بسرعة تجري مرة أخرى.
قدميها تعاتبانها بصمت، لكنها لم تستطع التوقف. الاشجار بدأت تقل وتختفي خلفها، لتتسع ابتسامتها عندما بدأت ترى أضواء الشارع من بعيد. أنها قريبة من الحرية، أخيراً.
عندما وصلت إلى الشارع، كانت تتنفس بصعوبة.
##
#
نظرت حولها، لترى رجلاً من العصابة يقف بجانب سيارة سوداء. كان يبدو وكأنه ينتظر الباقين. لم تفكر كثيراً. رفعت المسدس مرة أخرى، وأطلقت النار على كتفه الايسر من الخلف. لتستغل أصابته وتسرق السيارة.
ادارت المفتاح ليعمل المحرك، الان فقط الامل في النجاة بدأ يلوح أمامها.
قادت السيارة بسرعة على الطريق الماطر، الغابات احاطت به من كلا الجهتين والأرض خطرة.
كانت في منطقة حدودية خارج المدينة ومن منظر الطرق فهي لم تصن منذ فترات طويلة.
المطر غطى زجاج السيارة، مما جعل الرؤية صعبة مع قيادتها السريعة والمتهوره على طريق كهذا، حياتها تعتمد على ذلك.
أبواق السيارات تعالت من خلفها تتابعاً لأصوات أطلاق الرصاص، نظرت من مرآة السيارة الجانبية
لتلحظ سيارتين سوداء تلحقانه، هي في مأزق حتماً، عليها دخول المدينة فقط وستكون في أمان.
ضغطت بقدمها السليمة على البنزين أكثر لتزيد السرعة. لم تكن تلك خطوة جيدة بتاتاً خصيصاً مع المنعطف الحاد الذي واجهها، السيارة أنزلقت بفعل السرعة والمطر وانقلبت عدة مرات إلى ان انتهى بها الامر مقلوبه.
القيادة لم تكن يوماً من الأمور المحببة لها.
توقفت السيارتين على بعد بضعة امتار لينزل أثنان منهم نية التأكد من حياة تلك المسكينة.
لم يكن ليردعهم شيء عن مهمتهم الا تلك الاضواء الساطعهم القادمة من نهاية الطريق، قدومه في وقت متأخر كالعادة، كان الخائن.
كانت عالقة داخل السيارة في المقلوب وعلى الاغلب تعاني من بضعة كسور، رأسها ينزف بغزارة وكل جزء في جسدها يؤلمها، لم تستطع كبح دموعها من الهطول.
جسدها أستسلم فما بالها هي متمسكه بحبل مقطوع،
سيأتون في أي لحظة ويعيدوها لذلك المستودع المهجور حيث لن ترى عائلتها مجدداً.
وعيها بدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً، وعيناها تعبتان، أخر ما تسلل لمسامعها هو انخلاع الباب الخاص بكرسي السائق وسحب جسدها، توقعت ان تجر وترمى في سيارة أخرى لكن الحضن الدافئ الذي لف جسدها الضعيف صدمها، وتلك العينان الخضراوتين، تشعان قلقاً وغضباً، الأمان الذي شعرت فيه لحظتها لم يمحى يوماً من ذاكرتها، الآن فقط تستطيع النوم بسلام.
**•~•~•~«النهاية كالبداية»~•~•~•**
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!