وضع القراءة:

الفصل الثاني | الحريق الأول

"وأن الظل... كان يراهم منذ اللحظة الأولى."
لكنهم لم يعلموا.
ففي الخفاء، بدأت النار نفسها ترسم خارطة لن يقرأها أحد إلا حين يفوت الأوان، وتدفع بكل واحدٍ منهم نحو الشخص الذي سيغير حياته."
ومن بين خيوط القدر، ظهرَ خيطٌ ثانٍ
- حضورٌ بشريٌّ غريب سيُترك أثره في روح طفلةٍ واحدة.
رجلٌ اسمه فاليس دارون مرّ كظلٍّ طويلٍ؛
حملها منذ اللحظة الأولى، ولم يسأل العالم من تكون - لأنه كان يعرف الجواب قبل أن تُسأل الأسئلة.
رباها بصمتٍ لمدة عشر سنوات... ثم اختَفى، تاركًا وراءه أسئلةً لا تجيب عنها الجدران.
وفي اللحظة التي اشتعل فيها الحريق الأول، بدأت أربعة قلوبٍ صغيرة تخفق للمرة الأولى... في أربع جهات متباعدة، دون أن يعرف أيٌّ منهم أن حياته ليست ملكه وحده."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ »
✳️ إيلسيرا الأول - أرض أليار، وادي السكون الناري - طفولة رُهى
كبرت رُهى في قريةٍ لا تحب النبوءات، ولا تثق بالحالمين.
نشأت هادئة، غريبة، تحب الجلوس على الصخور تراقب الغروب كأنها تنتظر أن يهمس لها بشيء.
ربّاها فاليس دارون بنفسه منذ الأيام الأولى، جاء إلى القرية غريبًا يحمل في وجهه صمتًا وكفًا مالحة، وأخذ الطفلة إلى غرفةٍ بسيطة في قصرٍ مهجور على طرف الوادي.
بقي معها حتى بلغتها العاشرة؛ حين خرج صباحًا ولم يعد.
لم يكن اختفاؤه هروبًا عاديًا بل قرارًا مدفونًا بأسرارٍ؛ ترك صندوقًا صغيرًا مؤمّنًا بقفلٍ لا يفتحه أحد، وكلماتٍ مكتوبة بخطّه في هامش كتابٍ قديم:
"لا تُفتشِي عني قبل أن تعرفي لماذا خلقتِ."
منذ ذلك الحين صارت رُهى أكثر عزلة، وأكثر تعلقًا بصمت الصخور من البشر.
ومنذ رحيله، صار الليل أثقل عليها؛ كانت تسمع خطواته في ممرات القصر المهجور حتى وهي تعلم أنه لن يعود.
وبعد اختفاء فاليس بثمانية أشهر، ظهر الوشم لأول مرة على رقبتها؛ خطوطٌ نارية خافتة، لم تكتمل بعد.
كانت تنبض كلما غضبت... أو كلما حلمت بذلك الباب العظيم في آخر السماء، كأنه يجيب نداءً تعجز عن سماعه.
إلى أن جاءت ليلةٌ بلا قمر، حين اشتدّ النبض حتى صار ألمًا، اكتملت الخطوط فجأة- واشتعل الحريق الأول.
وقبل ظهور الوشم بسنوات قليلة، شعرت رُهى، منذ طفولتها، بحرارةٍ خفيفةٍ تسري في أصابعها كلما خافت أو غضبت؛ لم يكن أحد يراها، ولم تفهمها هي أيضًا.
وفي كل مرة اكتمل فيها النبض، أطلق الصندوق الصغير في غرفتها طنينًا خافتًا... كأنهما يتحدثان لغة واحدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ »
✳️دير اونثارا القديم- طفولة ميرا:
ربّتها في أيامها الأولى راهباتُ الدير،
نساءٌ عارفاتٌ بالغسق وبلغات الطقس القديم.
منذ سنّ الخامسة بدأت ميرا ترى أضواءً صغيرةً تخرج من كفّيها وتختفي قبل أن يدركها الآخرون؛ وفي الثامنة، حين بكت ميرا لاول مرة، امام راهبةٍ عجوز، انبعث الضوء من راحتيها فامتلأت الغرفة بذاكرةٍ لا تخصّهم.
لم ترفع يديها، واطفأت الضوء بنفسها، ومنذ تلك الليله تعلمت أن الصمت هو اختيارها الوحيد.
الراهبات في الدير كانوا يهمسون أن الطفلة ترى ما لا يراه البشر؛ وأن الضوء الذي يخرج منها... يحمل ذاكرة لا تخصّ هذا العالم.
الخدم علّموها إخفاء يديها، والراهبات عَلّموها الصمت كقناع.
لم ترتبط بطفولةٍ طبيعية؛ وحيدة بين المصلّين، تعلمت أن تكون ظلًّا من نورٍ لا يطفئ.
ومنذ تلك الحادثة، صارت الراهبات ينظرن إليها بحذرٍ جميل؛ خوفٌ لا يريد أن يكون خوفًا، وإعجابٌ لا يعترف بنفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ»
📍وادي اركاليس الازرق - طفولة إيليان
رُبي إيليان على يدي خادمٍ أعمىٍ وفصلٍ من المعلمين الذين لا يُظهرون رحمة؛ ظلّ الخادم يلازمه ليلةً بعد أخرى...
يكرر عبارةً لم يفهمها أحد:
"احفظ نورك، ولا تبرزه قبل أوانه."
منذ عامه السابع، صار الحلم يزوره كل ليلة تقريبًا.
وفي العامين التاليين، انشغل معلموه بتعليمه القراءة والكتابة وفنون السيف، بينما ظل الخادم الأعمى يكرر الهمسة نفسها كل مساء... وكأنه يرى فيه ما عجز الآخرون عن رؤيته.
وفي سنّ العاشرة، حدث أمرٌ صار علامةً في ذاكرته.
تحطّم زجاج نافذةٍ كبيرة في القلعة دون أن يُلامسها، وانتشرت على الحجارة آثارُ ثلجٍ صغيرٍ ذاب بسرعة كأن الزمن نفسه تردد.
لم يكن يعلم أن الثلج لم يكن ثلجًا عاديًا؛ بل أثرًا خامدًا لقوة قديمة تكسر الزمن لحظة وتلتحم في اللحظة التالية.
تلك الحوادث أخفته بين رجالٍ قساة، و علّموه ان يخفي ما يحيط به من غربة، ورغم كل ما حدث لم يكن إيليان طفلًا خائفًا؛
ينظر إلى الثلج المتلاشي بفضولٍ أكثر منه رعبًا، كأن شيئًا بداخله يعرف أن هذا لم يكن سوى البداية.
"لكنه في تلك الليلة، حين خلا إلى نفسه، بكى بصمت - ليس خوفًا من القوة التي بدأت تستيقظ فيه، بل لأنه أدرك، ولأول مرة، أنه سيكبر وحيدًا مهما أحاطه الناس."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ »
📍غابة اليثيرا المحرمة- داخل اعماق كهف استرال
والدته كاهنةٌ منفية، عاشت في عزلة بعيدة عن البشر.
تولت تربيته حتى بلغ الثامنة من عمره.
قبل اختفاء والدته علمته طقوسًا قديمةً لكبح المرآة وخداع الرؤية، وكثيراً ما همست له:
- إن المرآة ترى ما يخفيه البشر، وإن قلبه قادر على عكس ما لا يجب أن يُرى.
أما الندوب التي غطت جسده الصغير، فكانت تروي حكايةً مختلفة.
في عيد ميلاده التاسع، نهض من نومه في منتصف الليل، ووجد عبارة مكتوبة على الحائط بالدم:
> "ستكون من يفتح الباب... أو يُغلقه إلى الأبد."
مسح العبارة بكفه، كأنه يحاول محوها من ذاكرة العالم قبل الجدار.
وفي سنّ العاشرة بدأ يسمع همساتٍ لا تكفُّ عن إرشاده إلى طرقٍ لا تُرى.
ومنذ رحيل والدته، بقي في الغابة وحيدًا يربّي وحوشًا صغيرة، ويقرأ كتبًا لا يملك أحدٌ تفسيرها، كتبٌ بلا عناوين، ممتلئة برموزٍ تتحرك كلما أغلق عينيه، وكلماتٍ تبدو مكتوبة بلغة أقدم من الغابة نفسها.
"لم تخفه المرايا حين تتكسر وتتناثر قطعها؛ كان يبتسم لها"
"كان يضحك حين يحترق الخشب، ويهدأ حين يصرخ البرق.
عرف منذ وقت مبكر أنه مختلف."
الوحدة لم تؤذه؛ بل أحاطت به كمعطف داكن إعتاد دفأه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهكذا، بينما كبرت الأجسام وصار الخوف رفيقًا مبكرًا، واصل العالم نسج خيوطه ببطء.
ستصنع السنوات القادمة لقاءاتهم، وستكتشف رُهى وإيليان ونيروفين وميرا أن ما بدا ولادةً قد كان بداية نبوءةٍ قد تُنقِذ أو تُدمر.
"لم يكن أحد يدرك أن الأربعة يحملون العلامة نفسها، وإن اختلفت أشكالها؛ أثرٌ صغير في الروح لا يراه إلا من يعرف أين ينظر."
وفي ذات الوقت،
"في مكانٍ لا يحمل اسمًا، انحنى الظل فوق الهواء، همس في حلم احدهم، شعورٌ غريب زُرع في قلبه.... لم يكن يعرف بعد أن الشرارة الاولى على وشك ان تشتعل ."
كانوا أربعة... مجرد أطفال يولدون للضوء والظلال معًا.
وما لم يعرفه أحد، هو أن الشرارة الأولى لم تكن في عالمهم، بل في شيءٍ أقدم من العالم نفسه.
"حتى الصمت... كان ينتظر الشرارة... التي ستغيّر شكل العالم."
وهناك... في العتمة التي لا تُرى، استيقظ الحريق الأول عينه.
يتبع....
🔥 نهاية الفصل الثاني
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.