التخفي بستار القراءة
📖 المدخل والفرضية النفسية
حين نراقب الشغف المتكرر لدى الأفراد بنوعٍ أدبي محدد، نطرح فرضية نفسية مفادها: أنَّ ما يقرأه الإنسان ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل هو امتداد لاهتمامات اللاوعي وتفريغ لرغباتٍ محجوبة عن الواقع، وتوق داخلي إلى أن يعيش الإنسان ما يقرأه. 📜
- التجلي الظاهري والتطبيق الميداني
القراءة هنا ليست مجرد كلمات على الورق، بل هي عالم بديل يفتح أمام القارئ أبواباً مغلقة في الواقع ، ويمنحه فرصة ليجرب ما لا يستطيع أن يعيشه في حياته اليومية. فالإنسان في الحقيقة يريد أن يفعل ما يقرأه، ويريد أن يكون جزءاً من الأحداث والشخصيات، لكن هناك موانع وظروفاً شخصية، أو اجتماعية، أو جسدية تمنعه من ذلك. هذه الموانع قد تكون مرتبطة بالقدرات الجسدية، أو بالفرص المتاحة، أو حتى بالقيود الاجتماعية التي تحد من اختياراته.
وهنا تتحول الرواية إلى مساحة للتعويض النفسي، حيث يجد القارئ نفسه يعيش ما كان مستحيلاً عليه في الواقع. ومثال على ذلك صديقة لي قصيرة القامة، لكنها مولعة بالروايات البوليسية 🔍، خصوصاً تلك التي تمتلئ بالمغامرات والتحقيقات والمطاردات. هي في الواقع تحمل رغبة قوية في دخول مجال الشرطة، لكن طولها يقف عائقاً أمامها، وربما المجتمع أيضاً يضع شروطاً لا تسمح لها بتحقيق هذا الحلم؛ لذلك تعبر عن حبها لهذا المجال عبر القراءة، وكأنها تفرغ الحنين والرغبة الجامحة في أن تكون شرطية من خلال الروايات البوليسية 📑. كل رواية تقرؤها هي بالنسبة إليها تجربة بديلة، وعالم تعيش فيه ما لا تستطيع تحقيقه في الواقع. 🧭
- التحليل النفسي والآلية العميقة
هذا المثال يقودني إلى استنتاج أوسع: أن كل ما هو ممنوع أو غير ممكن للشخص يصبح مرغوباً فيه بشدة، فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما يُحرم منه، ويزداد شغفه بما لا يستطيع الوصول إليه. والقراءة هنا تتحول إلى وسيلة للتعبير عن الرغبة المكبوتة وإشباعها بشكل رمزي، وكأنها نافذة صغيرة يطل منها القارئ على حياة كان يتمنى أن يعيشها. وبمعنى آخر، ما يرغب الإنسان في فعله ويكون ممنوعاً منه لأسباب خاصة، يعبر عنه من خلال ميوله لنوع الروايات التي يقرؤها. 🕯️
- نظرية التقمص الرمزي
ومن هنا تنبثق هذه النظرية التي يمكننا تسميتها "بنظرية التقمص". فحين يكون الهدف من قراءة نوع معين من الروايات هو الانجذاب إلى مشاعر محددة مثل الحب، أو الغرام، أو الحنين، فإن ذلك يشير بشكل مبطن من اللاوعي إلى أن القارئ في حاجة فعلية إلى هذه المشاعر، وأنه يبحث عنها ويريد أن يجدها لتحتويه وتملأ فراغه الداخلي. 💭
وإذا تأملنا أكثر، سنجد أن هذا لا يقتصر على الروايات البوليسية فقط؛ فمن يحب الروايات الرومانسية قد يكون في داخله شوق لعلاقة عاطفية لم تتحقق، أو رغبة في حب مثالي لم يجده في الواقع. ومن يفضل روايات المغامرات قد يكون في داخله توق للسفر والتنقل واكتشاف العالم 🗺️ لكنه مقيد بظروف مادية أو اجتماعية. أما من يقرأ الفانتازيا والخيال العلمي 🌌، فقد يكون في داخله حلم بالتحرر من قيود الواقع، ورغبة في عيش حياة خارقة أو مختلفة تماماً عن حياته اليومية. وهذا لا يقتصر على الروايات فحسب، بل يمتد حتى إلى الأفلام وغيرها.
- إعادة التأطير والتوجيه
كل نوع أدبي إذن يعكس رغبة داخلية، وكل قارئ يجد في النص الأدبي وسيلة للتعويض عن نقص، أو عجز، أو حرمان في حياته الواقعية؛ وهذا ما يجعل الأدب ليس مجرد فن، بل أداة نفسية عميقة لفهم الإنسان ورغباته. 🖋️
فبعض الذين يعيشون حالة من الحيرة في اختيار المهنة التي سيخوضونها مستقبلاً، قد يجدون أن أفضل خيار لهم هو ذلك النوع من المهن التي تتكرر في الروايات التي يقرؤونها، والتي تلامس قلوبهم وتثير حماسهم مراراً وتكراراً. ومع ذلك، لا يجب أن نتوقف عند حدود التعويض الرمزي فقط، فهناك جانب آخر أكثر قوة: إذا التقت الإرادة مع المحاولات دون استسلام للإحباط، يمكن للإنسان أن يحقق رغبته التي كانت في السابق ممنوعة أو مستحيلة عليه.
- الخاتمة والتثبيت
القراءة قد تكون البداية، والشرارة 🕯️ التي توقظ الرغبة، لكن الإرادة والعمل هما الطريق لتحقيقها. 🎯
بقلم وتحرير: حليمة المفتاحي ✍️
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (4)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول