「 الفصل الأول: حـيـن يـبـتـسـم الـمـوت 」
"حين يلتقي العقل الشيطاني بالشغف المظلم.. يصبح الدم طلاءً، والموتُ عشقًا لا ينتهي."
كانت ليلة صقلية باردة، على عكس النيران التي تغلي تحت رماد العائلات الكبرى. في القاعة الرئيسية لقصر "ألتامورا" الأثري، كان الصمت ثقيلاً لدرجة أن صوت أنفاس الحراس المسلحين كان مسموعاً.
يجلس كبار قادة المافيا الإيطالية حول طاولة مستديرة ضخمة من الخشب الداكن. الجميع يتهامس بخوف، والعيون كلها تترقب باب القاعة.
فجأة، فُتح الباب المزدوج.
دخلت هي. فيتوريا دي لوكا.
كانت ترتدي بدلة رسمية سوداء مفصلة عليها بدقة، وشعرها الأسود الداكن مرفوعاً بعناية دون خصلة واحدة متمردة. ملامح وجهها كانت منحوتة من مرمر؛ عينان حادتان كخناجر صقيلية، وشفتان لم تعجنا يوماً بالابتسام. كانت تمشي بخطوات واثقة، هادئة، وصوت حذائها ذو الكعب العالي يضرب الأرض الرخامية كأنه عداد تنازلي للموت.
وقف الجميع احتراماً وخوفاً. لم تنظر لأحد، بل جلست على المقعد المخصص لعائلة "دي لوكا"، شبكت أصابعها فوق الطاولة، وقالت بصوت هادئ، منخفض، لكنه جمد الدماء في العروق:
— "اجلسوا. لست هنا لتضييع الوقت."
أحد القادة الكبار، تذكرت يداه الارتجاف، قال بصوت متحشرج:
— "الدونا فيتوريا... نحن بانتظار الطرف الآخر للاجتماع، عائلة رومانو... لكنهم تأخروا، ويبدو أنهم..."
قبل أن يكمل جملته، رنّ في الممر الخارجي صوت غريب جداً على أجواء المافيا الصارمة... كان هناك شخص يصفر لحناً إيطالياً شهيراً ومبهجاً!
بام!
فُتح الباب بقدم أحدهم وليس بيده. ودخل شاب طويل القامة، بعيون عسلية تشع حيوية، وشعر بني مبعثر بجاذبية. كان يرتدي قميصاً أبيض فُتحت أزراره الأولى بإهمال، وجاكيت بدلة يحمله على كتفه بيده اليسرى، بينما يده اليمنى... كانت تقطر دماً!
إنه ماتيو رومانو.
التفت ماتيو للحضور، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، بشوشة، وساحرة للغاية، وقال بنبرة مليئة بالمرح وكأنه في حفلة عيد ميلاد:
— "مساء الخير يا رفاق! اعتذر جداً على التأخير، لكن أحد حراسي أخبرني بنكتة سخيفة في الطريق، ولم أتمكن من منع نفسي من إعدامه خلف الميناء.. خذوا وقتكم في تنظيف الممر بالخارج لاحقاً."
ساد رعب حقيقي في القاعة. هذا الرجل يبتسم وبشوش، لكنه قتل نفساً قبل دقائق فقط كأنه شرب كوباً من القهوة!
سار ماتيو بخطوات مسترخية، وتجاهل كل المقاعد الفارغة، ليتوجه مباشرة نحو المقعد المجاور لـ فيتوريا دي لوكا. سحب الكرسي بصوت مرتفع مستفز، وجلس عليه، ثم التفت بكامل جسده نحوها.
اتسعت ابتسامته البشوشة وهو ينظر إلى وجهها الخالي من أي تعبير، ومال برأسه قليلاً قائلاً بنبرة هامسة ومستفزة:
— "أهلاً بكِ أيتها الدونا الباردة.. قصركِ في الشمال يحتاج لبعض الألوان، أو ربما... لبعض من دماء عائلتي التي تحاولين سرقة موانئها؟"
لم ترمش فيتوريا. التفتت برأسها ببطء شديد نحوه، التقت عيناها الجليديتين بعينيه المجنونتين الضاحكتين. سحبت منديلاً أبيض من جيب بدلتها، ورمته ببرود فوق الطاولة أمامه، وقالت بنبرة تقطر سماً:
— "امسح قذارتك يا رومانو، فـ 'دي لوكا' لا يتفاوضون مع مجانين يلطخون طاولاتهم."
اتسعت ضحكة ماتيو، ولمع الجنون في عينيه وهو يهمس:
— "أوه.. إذن اللعبة ستكون ممتعة جداً!"
التقط ماتيو المنديل الأبيض الذي رمته فيتوريا باعتناء، وبدأ يمسح الدماء عن أصابعه ببطء شديد، وهو لا يزال يحافظ على تلك الابتسامة البشوشة التي لا تفارق وجهه، وكأنه يقوم بعمل روتيني مبهج. التفت إلى بقية القادة في القاعة الذين كانوا يجلسون على أطراف مقاعدهم من شدة التوتر، وقال بنبرة ضاحكة:
— "انظروا إليها.. الدونا فيتوريا تهتم بنظافة الطاولة أكثر من اهتمامها بتهديدات عائلة رومانو. هذا ما يسمى بالبرود الأرستقراطي، أليس كذلك؟"
لم يرد أحد. الخوف كان سيد الموقف. تنهد ماتيو بيأس مصطنع، ثم رمى المنديل الملطخ بالدماء في منتصف الطاولة تماماً، ليتناقض لونه الأحمر القاني مع الخشب الداكن.
هنا، شبكت فيتوريا أصابعها مجدداً، ونظرت إلى رئيس المجلس، العجوز "دوناتو"، وقالت بنبرة حادة وصارمة قطعت أي مجال للمزاح:
— "السيد دوناتو، جئنا إلى هنا لمناقشة التعدي السافر لعائلة رومانو على موانئ الشمال. شحناتنا يتم اعتراضها، ورجالنا يُقتلون. إذا كان الـ 'دون' الجديد لعائلة رومانو غير قادر على السيطرة على جنونه، فإن عائلة دي لوكا مستعدة لإعادة رسم حدود إيطاليا بالدماء."
ساد الصمت مجدداً، لكن ماتيو لم يتأثر. بل على العكس، أطلق ضحكة خافتة قصيرة، ثم اتكأ بمرفقيه على الطاولة، واقترب من فيتوريا أكثر، حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها البارد. اختفت ابتسامته الواسعة للحظة، وحلّت مكانها نظرة حادة تشع بالجنون والذكاء في آن واحد.
قال ماتيو بنبرة منخفضة وواثقة:
— "تعدّي سافر؟ أوه، أيتها الدونا الجميلة، أنتِ تسمينه تعدياً، وأنا أسميه 'استرداد حقوق'. موانئ الشمال كانت دائماً ممراً لعائلتي قبل أن تقرر عائلة دي لوكا وضع يدها عليها بعد وفاة والدكِ. ظننتِ أن غياب الثعلب العجوز سيجعل الطيور تحلق بأمان؟"
لم تتحرك فيتوريا إنشاً واحداً للوراء. بقيت ثابتة كالجبل، وعيناها الجليديتان تخترقان عينيه العسلية. قالت ببرود يوازي صقيع الشتاء:
— "والدي مات، لكنه ترك خلفه عائلة لا تنسى، ولا تغفر. الموانئ ملك لنا بموجب اتفاقية عام 2022، وأي سفينة لرومانو تقترب من مياهنا مجدداً... ستتحول إلى رماد بمن فيها."
نهض ماتيو فجأة من كرسيه، مما جعل الحراس خلف فيتوريا يضعون أيديهم على أسلحتهم فوراً. لكن ماتيو لم يسحب سلاحاً. بدلاً من ذلك، مشى ببطء حول الطاولة، واضعاً يديه في جيوبه، وهو يصفر بنبرة خفيفة، ثم توقف خلف مقعد فيتوريا مباشرة.
انحنى قليلاً هامساً بالقرب من أذنها، بحيث يسمعها هي فقط:
— "أتعلمين ما مشكلتكِ يا فيتوريا؟ أنتِ باردة جداً.. والجليد يسهل كسره بشيء من الحرارة. أنا لا أهتم بالاتفاقيات القديمة. أنا أهتم بما أريد، والآن... أنا أريد تلك الموانئ. وإن لم تعطيني إياها برضاكِ، سآخذها وأنا أبتسم، بينما أشاهد إمبراطوريتكِ الجميلة تحترق."
التفتت فيتوريا برأسها ببطء، وارتفعت زاوية شفتيها في شبه ابتسامة ساخرة، كانت أرعب من جنونه. قالت بنبرة هادئة وواثقة:
— "لقد حاول الكثيرون قبلك إحراق عائلتي يا ماتيو.. وجميعهم الآن يرقدون تحت تراب صقلية. جرب حظك، ودعنا نرى من سيضحك أخيراً."
تراجع ماتيو للوراء، واتسعت ابتسامته البشوشة مجدداً ونفض الغبار عن جاكيته وقال بصوت مرتفع للجميع:
— "إذن، الاجتماع انتهى! أراكم في ساحة المعركة يا رفاق. ليلة سعيدة."
استدار ومشى نحو الباب بنفس الثقة والمرح اللذين دخل بهما، تاركاً خلفه قاعة تشتعل بالتوتر، ودونا أقسمت في سرها أن تكون الابتسامة القادمة على وجه ماتيو رومانو... هي ابتسامة موته.
خرج ماتيو رومانو من القاعة، وظلّ صدى تصفيره المبهج يتردد في الممرات لثوانٍ قبل أن يختفي تماماً. تنهد زعماء العائلات الأخرى براحة، وكأن جبلاً قد انزاح عن صدورهم، لكن نظراتهم ظلت معلقة بـ فيتوريا دي لوكا.
كانت فيتوريا لا تزال تجلس في مكانها، ملامحها هادئة تماماً كبحيرة راكدة، لكن في أعماقها، كانت العواصف تكاد تقتلع كل شيء. لم يكن ماتيو مجرد مجنون عابر، بل كان كتلة من الذكاء المغلف بالمرح، وهذا النوع من الأعداء هو الأكثر خطورة.
نهضت فيتوريا ببطء، وعدلت جاكيت بدلتها السوداء. لم تنظر إلى بقية الزعماء، بل أشارت لحارسها الشخصي وذراعها الأيمن، ماركو، الذي كان يقف كظلها خلفها. تراجع ماركو خطوة للخلف وتبعها بينما كانت تغادر القاعة بخطواتها الصارمة والواثقة.
مشيا في الممر المؤدي إلى سيارات الدفع الرباعي السوداء المنتظرة في فناء القصر. كان الهواء الصقلي اللامتناهي يلفح وجهها، لكنه لم يكن أبرد من أفكارها. بمجرد أن ركبت في المقعد الخلفي الفاخر للسيارة وأغلق ماركو الباب وجلس بجانب السائق، التفتت فيتوريا ونظرت عبر النافذة المظلمة إلى أضواء المدينة البعيدة.
قالت بصوت منخفض، حاد، وخالٍ من أي عاطفة:
— "ماركو."
التفت ماركو إليها فوراً عبر المرآة الأمامية، ملامحه جادة ومستعدة لأي أمر:
— "أمركِ، أيتها الدونا."
أرجعت فيتوريا رأسها إلى الخلف، وشبكت يديها فوق ركبتها وقالت:
— "ماتيو رومانو ليس مجرد كلب ينبح. إنه يخطط لشيء أكبر من مجرد الموانئ. أريد تقريراً شاملاً عن كل تحركاته، كل مكان يزوره، وكل شخص يتحدث إليه. ولكن... هذا ليس كل شيء."
صمتت للحظة، ولمع بريق قاتل في عينيها الجليديتين وهي تتابع:
— "أرسل 'الظلال' (فرقة الاغتيال السرية لعائلة دي لوكا). لا أريد قتله الآن... الموت السريع رحمة لا يستحقها هذا البشوش. أريدهم أن يراقبوا نقطة ضعفه. ذلك المجنون يبتسم طوال الوقت، لكن لا بد أن هناك شيئاً أو شخصاً يجعله يبكي. اعثر على تلك الثغرة، وسأقوم أنا بكسر ابتسامته بنفسي."
انحنى ماركو برأسه احتراماً وقال بنبرة صارمة:
— "سيكون لكِ ما أردتِ، دونا فيتوريا. سيتم الأمر الليلة."
تحركت السيارة العتيقة وسط ظلام الليل الصقلي، تاركة خلفها بداية حرب لن تنتهي إلا بنهاية أحدهما. فيتوريا كانت تعلم أن اللعب مع مجنون كماتيو قد يحرق إيطاليا بأكملها، لكنها كانت مستعدة لرؤية العالم يحترق، طالما أنها ستظل واقفة على رماده.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!