وضع القراءة:

الفصل 1 : عروس هاربة.

" يا جبل! جئت أشكي لك همي!"
رمت لبنى ذراعيها في الهواء، و صاحت بحنجرتها في حشرجة.
كان صدرها قد ضاق لفرط التوتر، فهي ستقدم على فعل خطير، و لو أنها فعلته قبلاً في صغرها، و لكن الأمر الآن قضية موت أو حياة، الأمر لا يقبل الفشل.
تنفست بعمق، و قبل أن تفتح فمها ثانية جاءها صوت من الجبل، و لوهلة ظنت الجبل من تحدث إليها: "انقعلي من هنا أنا أحاول النوم." أخذتها الدهشة للحظات قبل أن يحمر وجهها فتركض متسلقة الجبل :" ماذا تفعل هنا يا قيس!؟"
كان الرجل الذي تخاطبه يستلقي خلف صخرة، و ذراعاه خلف رأسه بينما يميل عمامته لتحجب عسليتيه عن ضوء الشمس.
تثاءب ثم أجاب :"و ما شأنك؟ عجباً لزمن تتسكع بناته بين الجبال و يستغرب ذلك من رجاله!" ارتفعت زاوية شفتها بازدراء :"سألت لأن هذا ليس من طبعك، ثم من قال أنه ليس للنساء الذهاب حيث شئن أيضاً؟ ليس و كأننا لا نستطيع حماية أنفسنا." ضحك قائلا:" هراء." تشكلت عروق منفعلة على جبهة لبنى و لكنها ردت بهدوء: "لنخض نزالاً و نرى من لا يستطيع حماية نفسه بيننا يا أخي العزيز."
"حذار مما تسألين يا صغيرة، فهذه ليست معركة خاسرة كتلك التي قد أخوض ضد امرأة سواكِ." تحدث قيس بصوت يشوبه النعاس، ثم فتح عينا واحدة و نظر نحوها:" إن أبرحتك ضربا فلن يلومني أحد، سيقال أخٌ و أدّب أخته الطائشة"
كانت جملته لتحز في نفس لبنى ، و كانت لتشق رأسه بحجرة في لحظة انفعال، و لكنها لم تكن واثقة من نفسها عبثاً، فإن لها خلفية خاصة جعلت منها قوية بما يكفي لتقاتل قتال رجل لرجل. لذلك فقد تراقصت ابتسامة مغرورة على شفتيها بينما تنفض ظفيرتها الطويلة إلى الوراء:" لا بد أنك نعِسٌ بشدة حتى تتوهم قدرتك على ضربي، أ لا ترى هزل جسدك يا قيس؟ لا تشعر بالإهانة و لكنك بالكاد تمشي مستقيماً."
لم يخف عليها الامتعاض الذي طفا على قسماته، و الذي حاول مواراته و هو يتحدث مغمض العينين:" و لو كنت مريضا فأنا أبقى رجلاً، و الرجل أقوى من المرأة و لو قامت برفع الجبال."
  - " عفواً ! و علي أي أساس؟"
  - " هذه إحدى قوانين العالم غير القابلة للتبديل" هز احدى كتفيه بلا اكتراث.
حدقت فيه مطولا حتى ظنها قد حالت صنماً ليفتح عينيه يتفقدها، انتبهت له لتقول بحزم:" هذا ليس بقانون من قوانين الطبيعة، هذه خزعبلاتكم أيها الرجال.
و ثق جيدا بأنني سأضع حدا لهذا الهراء، سأجعل كل رجل يمشي على هذه الأرض يذوق حياة المذلة."
"حتى و إن لم يفعل شيئا؟ "
" لأنه لم يفعل شيئا فإننا نعيش في شقاء، لذا كلكم مذنبون" داعبها قائلا:" مجرد كلمات، لو مسني سوءٌ فستفقدين بصرك من البكاء علي، فأنت امرأة بعد كل شيء." 
غضبت لبنى و لم تحاول إخفاء ذلك في نبرتها:" لا تغتر بنفسك يا قيس، عيناي هاتان أثمن من أن تبكيا رجلاً. لقد تخيلت موتك أنت و كل رجل أعرفه، و لم أشعر بقلبي يؤلمني و لم تنزل قطرة واحدة على أي أحد."
"الخيال و الواقع شيئان مختلفان يا صغيرتي، و لأنك امرأة، فإنك لا تقدرين على التفرقة بينهما جيدا، فعقولكن صغيرة." تكلم باسما مغمض العينين.
" لا أصغر من عقل يطلق الأحكام على الناس على أساس كونهم رجالا أو نساء." قالت و هي تقف على قدميها.
"قول كلماتك من الأعلى لا يرفع من قيمتها، فاجلسي يا لبنى.
إني أقول لك الحقيقة، لذا حاولي تقبلها كما أتقبل سخريتك من مرضي." تمسكت بثوبها بشدة و صاحت فيه:" ما كنت لأسخر من شخص مريض، إلا لكونه يقلل من قيمتي!"
نهض قيس متبسما و عينه على قبضتيها:" بعيدا عن محاولتك الغبية للعب دور الضحية، فأنا متفاجئ لاحتفاظك بشيء من لبنى الصغيرة، أنظري إليك تتمسكين بثوبك في غضب كما كنت تفعلين في الطفولة، أعترف بأن هذا حرك مشاعري." نظرت إليه كما يُنظر للقمامة و هي تقول:" ما الذي تهذي به بحق خالق السماء؟!"
"لا شيء، فقط حركتك العفوية جعلتني أتذكر أنك لم تكوني هكذا منذ البداية." عاد يتوسد ذراعيه لتسأله:"ماذا تعني بهكذا؟" ليجيبها و عينه للسماء:" إنك فتاة مزعجة لأصدقك القول، سليطة اللسان و نزقة و لا احترام لها لأخيها الأكبر.
آه..و متعصبة لكل ما هو مؤنث. على عكس نفسك في طفولتك." انشرحت تعابيره مسترسلا: " لقد كنت فتاة مرحة و لطيفة، و لم تفارقك الابتسامة حينها، و كنت لا تنفكين عن التحدث حول أخيل."
لم يتلق ردة فعل أو أية كلمة، فأدار عينيه نحو أخته، و تفاجأ بالتعبير على وجهها، إذ بدا و كأنها تفكر في أشنع طريقة لقتله.
أعاد عقله الجملة التي تفوه بها، فأدرك زلته و طفق يعتذر:"أنا آسف يا لبنى لم أقصد أن أنكث بوعدي!!
أنظري، لم أقل اسمه أمامك طوال سنوات، لقد زل لساني للتو فقط فلا داعي لتغضبي مني." كانت حرفيا على وشك أن تصفح عنه و لكنه دمر الأمر بما أعقبه مازحا مع ابتسامة مائلة  :" تعلمين أن الغضب يضر بالنساء فهن رقيقات."
لم يقصد أي سوء بما قاله، و كان في ذلك شيء من الحقيقة، و لكنه استخدم صياغة جعلت الجملة تنم عن هشاشة النساء مطلقا، أو هذا ما فهمته لبنى على الأقل.
لذا هبت واقفة و ركلت الرمال أسفلهما لتملأ ثغر قيس فينهض ساعلاً و هو يفرك عينيه بألم، أما هي فقد سارت مبتعدة عنه.
فتح قيس عينيه و قد احمرتا بشدة و سال منهما بعض الدمع، و أخذ ينادي على أخته التي تمضي في الصحراء بخطى غاضبة، و الريح تراقص عباءتها.
لطالما خاضا نقاشات كتلك، لم يكن هنالك خاسر و فائز في الغالب، و لم يكونا يجنيان سوى وجع الرأس. و لكن لم يحدث  أن غضبت و تركت المكان في وسط الجدال، لقد طمع بتلك الجملة أن يتابعا رمي الكلام، فقد كان يجد في ذلك ضربا من المتعة و الأنس، و لكنه تفاجأ بها تنفعل و تغادر.
أ ترى كل هذا بسبب اسم أخيل؟
[ يا جبل! جئت أشكي لك همي! ] سمع قيس هذه الجملة في مخيلته، و قد أدرك أن لبنى قدمت إلى هذا الجبل لتتحدث حول أمر أهمها، لذا لربما هي كانت قلقة حول شيء ما أساسا أثناء استفزازه لها !
تملكه القلق، فقفز و انطلق يعدو في أثرها قبل أن تختفي في الأفق، لم تكن مشيتة مستقيمة كما قالت لبنى، فأخذ يركض و هو يعرج و قد تعثر مرتين أو ثلاثاً قبل أن يصل إليها ، و لحسن حظه أن صوت ارتطامه بالأرض دفعها للتوقف و إلا ما كان ليلحق بها مطلقاً.
" ما خطبك أيها المخبول؟ " ساعدته على النهوض و هي تنفض الغبار عن ثوبه، و تتفقد خدشا تشكل في باطن يده بسبب ارتطامها بصخرة حادة، تبسم و قد أكدت له ملامحها القلقة أن قلبها الأنثوي أرقُّ مما تظنه، تقول لن تبكي على موته لكن ها هي ذي تبدو على استعداد لتخلع جلدها و تغطي به جلده المخدوش.
" أصدقيني القول يا لبنى، ماذا يشغل بالك؟ " سأل بنبرة لا يتخللها مزاح أو سخرية كما جرت العادة، و هذا ما استنكرته لبنى و هي تلف الخدش شبه النازف بقطعة مزقتها من ملابسها :" يشغله الكثير، عن ماذا تسأل تحديدا؟"
" لا أدري، شيء حديث ربما؟
ماذا أردت أن تشكيه للجبل قبل أن أتكلم؟"
  - " لا تقلق بشأن هذا مع أني لا أظنك قلقا أكثر من كونك فضوليا.. إنه فقط بشأن ما سيحدث اليوم كما تعلم."
ارتخى وجهه و قد تذكر لتوه أن أخته اليوم سوف تزف إلى خطيبها الموعود! نظر ليده المضمدة و سأل بحيرة:
" لا أفهم لما أنت قلقة بشأن هذا الزواج..
ستعتادين الرجل بمرور الأيام.
ثم هو لا يبدو شخصا سيئا، فمنذ خطبك و أنت تغرقين في الهدايا الثمينة."
"و ما حاجتي بهداياه؟ إنه رجل سخيف و طاعن في السن.
إن كنت ممتنة لشيء فعله فسيكون أنه لم يرني وجهه طوال سنوات الخطبة."
أمسك قيس ذقنه مفكرا:" إنه أمر في غاية الغرابة أنه أتى و رآك مرة واحدة ثم اختفى، لولا هداياه لقلت أنه ألغى الأمر أو مات." نظر لوجهها : " ثم لم شرط كل هذا الوقت قبل أن يتم الزواج؟ " هزت لبنى كتفها بلا مبالاة:" لا أهتم لأسبابه، لقد كنا مخطوبين بالاسم فقط، و أنا أتنعم بهداياه بقدر حاجتي فقط، معظم ما أرسله أطعمته للنار، و ربما سيكون هو التالي الذي أطعمه إياها."
"قولي أنك تمزحين." ابتسم بارتباك، فقد سمع أنها قد حاولت قتل ابن عمهما منذ بضع سنوات، و هذا يعني قابليتها لارتكاب الجريمة.  " أعرف ما تفكر به، و يسعدني خوفك مما قد أقدم عليه." ربتت على كتفه المرتفع ثم أولته ظهرها متابعة المسير.
" لبنى، هذا ليس لطيفا بالمرة، إن كنت لا تريدين الرجل فلا أظن الوقت قد فات كثيرا لإلغاء الزيجة، هذا أرزن من أن تنهي أمره بنفسك. لا تلطخي يديك أرجوك!" شيدتها كلماته و قد دفعتها لرسم ابتسامة مستمتعة.
كانت لبنى في طريق عودتها إلى البيت آملة ألا يكتشف أحد غيابها، و لكن كونها قد غادرته في الصباح الباكر، فما يزال لديها بعض الوقت حتى يخرج إخوتها إلى مشاغلهم فيتسنى لها الرجوع دون أن يلحظ إنسي أنها خرجت و دخلت. استغلت الفرصة، و عرجت على أحد بيوت الطين بين طرقات القبيلة، و ببراعة فإنه لم يلمحها أحد من المارة.
طرقت الباب بإيقاع معين ثم دخلت بسرعة قبل أن تحصل على إذن. كان البيت متألفا من غرفة وحيدة و بيت خلاء. احتوى فراشا على الأرض و رفوفا تغمرها الكتب، و بعض الصناديق المتناثرة. و في وسطه جلست امرأة توليها بظهرها و قد انغمست في تحضير شيء ما في الموقد القابع على النار،
و دون التفاتة منها قالت:" صباح الخير يا ابنتي الغالية."
بعد حادثة معينة،  اتسم وجه لبنى بالقساوة و النزق، و لو رأى أحد معارفها هذا الوجه الرقيق و اللطيف الذي صنعته الآن، لفغر فاه من الذهول.
" صباح الخير ماما، كيف حالك؟"
تركت العجوز الهزيلة ما بين يديها و استندت على احدى ركبها لتقف، و على وجهها كانت ابتسامة محبة و قد مضت نحو لبنى فجمعت أيديهما معا و قالت بنبرة حنون:
"لقد سررت برؤية وجهك الحسن يا بنيتي. و كيف حالك أنت؟ مما أعرفه عنك فلا بد و أن القلق ينهشك.." احتضنتها لبنى بقوة و قالت لها:" حتى أمي لم تكن لتعرفني كما تفعلين يا ماما.  نعم، إنني قلقة، و لكن ليس لأنني لا أؤمن بنجاح خطتك و لكن القلق شيء لا أقدر على التحكم فيه، إنني على أعصابي."
"كوني مطمئنة عزيزتي، كل شيء سوف يكون على خير ما يرام، ستبتعدين عن هنا لفترة ثم ستعودين لتري هؤلاء السخفاء ما أنتِ قادرة عليه." فصلت لبنى العناق و قد أحست بالأمان و الاطمئنان.
" و عندما يحدث ذلك يا ماما، ثقي أنني لن أخيب ظنك بي.سوف أتأكد من الفوزِ و التغلب على الجميع، بمن فيهم آزر!
ستكون القيادة لنا و سنغير حال هذه القبيلة الظالمة." تحدثت لبنى بعزيمة و حماسة كبيرين لتربت ماما على وجنتها مبتسمة:" أعلم أنك ستفعلينها، إنك أقرب بناتي إلى الحلم."
جلست لبنى بعد ذلك عن يمين ماما التي تابعت عملها السابق، و قد أخذتا تتحدثان و تتضاحكان.  فكرت لبنى أنها كانت غبية بذهابها إلى الجبل الأصم بدل زيارتها لماما التي أزالت عنها همومها و طمأنتها في بضع دقائق.
كانت الرابطة بين هته الشابة ذات الثمانية عشر ربيعا، و هذه العجوز ، أشد حتى من الرابطة التي تجمع بين أم و ابنتها. منذ نعومة أظفار لبنى و هي تقدُم إليها، فتلعب و تضحك و تأكل حتى التخمة. كان هذا المنزل الطيني الضيق جنتها على الأرض، فكلما همها شيء فزعت إلى ماما لتغمرها بالحنان الذي فقدته مرة بموت أمها، و ثانية بسبب أخيل.
سرحت لبنى بذكرياتهما معاً حتى وجدت ملعقة خشبية في وجهها، تطلعت بتفاجئ إلى السائل القرمزي الذي احتوته، و نظرت نحو ماما مستفهمة:" ما هذا ؟"
شرحت العجوز:" لقد حسنت من جرعة الشراب الذي يغير طبقة الصوت، هذه المرة سيدوم أطول، و سيجعله أخشن." قربت لبنى فمها و شربت من الجرعة، ظهرة عقدة كبيرة بين حاجبيها لطعمه المر، ثم بلعته على مضض.
أخذت لبنى تسعل بشكل سيء لعدة دقائق قبل أن تهدأ و تلتقط أنفاسها، رأت التساؤل في عيني العجوز، لتقدم لها  الإجابة في الأصوات العشوائية التي أصدرتها ، و قد أصبح صوتها منخفضا و عميقا كصوت شاب في أول بلوغه.
" أظن أن هذا أقصى ما يمكنني فعله، كنت أتمنى أن يكون أخشن من هذا، و لكن ليس باليد حيلة." قالت ماما.
" صوتي يبدو رجوليا أكثر من المرات السابقة! لن يشك أحد في أمري.. إن هذا كالسحر." قالت لبنى و هي تحمحم و تجرب نبرات مختلفة لصوتها المتغير.
" بل هو شيء أفضل من السحر، إنه العلم صغيرتي."
قالت العجوز بنبرة حكيمة و هي تسكب بعض الماء لتطفئ نار الموقد على خلطتها العظيمة، لقد أمضت زمنا و هي تجمع عدة عناصر نادرة من أحضان الطبيعة، لتعد شرابا يعمل عكس العسل الذي يرطب الحلق، فيعبث بالحنجرة ليجعل من الصوت الناعم خشنا لمدة من الزمن.
" كم سيبقى المفعول؟ ينبغي لي الرجوع إلى المنزل." سألت لبنى و قد ازداد عمق صوتها.
" لقد جربت الجرعة ليلة البارحة و لم يعد صوتي لطبيعته حتى ساعة مضت. خذي، تناولي بعض العسل و سكر النبات.
سيساعدان صوتك ليعود بشكل أسرع." مدت لها بقنينة، شربت لبنى منها، و أخذت تحمحم طوال طريق العودة.
أثناء سيرها، سمعت أصواتا متداخلة، فأسرعت تتوارى خلف نخلة عريضة، ثم أطلت برأسها تتفقد ما يجري.
مر بها بضعة رجال على أحصنتهم و كانت ملابسهم و لكنتهم مختلفة عن المعتاد بشكل نسبي، فأدركت على الفور بأنهم من قبيلة أخرى و لكنها تساءلت عن سبب قدومهم ؟
و دون أن تتعب نفسها بتقصي الأمر، فقد توقفوا على مقربة منها بعد أن قاطع طريقهم رجل بهي الطلعة، بشوش الوجه، و قد قال مُرحِبًّا :" عِمتم صباحا يا ضيوفنا من بني عرجان!
كيف يمكنني مساعدتكم؟"
تحدث أحدهم:" انطلقنا قبل القافلة لنوصل بعض الهدايا و نساعد على الترتيبات قبل وصول العريس الذي سيتزوج أخت شيخكم، نحن من أقربائه."
" أهلا و سهلا بكم، أنا ضرغام بن سنمار، أخو العروس.
تفضلوا معي لتقابلوا شيخنا."
فكرت لبنى في حيرة شديدة حال ابتعادهم، فما دخل قبيلة عرجان بها، العريس من قبيلة قتام مثلها و ليس من قبيلة عرجان.
فقط ما الذي يجري؟
تسلقت لبنى السور المنخفض المحيط بمنزلها و قفزت لأرضية الفناء برشاقة، و لكن توازنها اختل حين صدح صوت أفزعها: " لبنى !! " التفتت بذعر إلى مدخل الدار، حيث تقف فتاة تصغرها بسنتين بملامح غاضبة و يدها على بطنها المتكور.
" أين كنت حتى الآن! لقد قلقت عليك كثيرا."
  - " أوه غزالة! أخفضي صوتك.." تقدمت لبنى منها و سبابتها على شفتيها بينما تتلفت من حولها، لتقول المدعوة غزالة:
  - " لا أحد في الدار عداي أنا و الخدم، اطمئني، و لكن ما خطب صوتك، هذا مخيف!" سارتا إلى الداخل بينما تجيبها بهمس:" كنت عند ماما، إنه الشراب الذي أخبرتك عنه."
  - " لم أتوقع تأثيره إلى هذا المدى، لولا وجهك لجزمت أنك رجل، تلك المرأة مشعوذة." قالت غزالة ليرتسم الغضب على وجه لبنى:" ليست كذلك! إنها تستعمل الأعشاب ببراعة لا يصل لها أي رجل في هذا العالم، إنها عظيمة."
  - " أنتِ مهووسة بها بشكل غير عقلاني يا لبنى"
  تذمرت غزالة بينما تتخذ لها مجلسا في غرفتها و قد انضمت لها لبنى و هي تقول:" بل أنا أثق بها، أنت لا تعرفينها على عكسي، لو أنها حكمت قبيلتنا لصرنا الأوائل بين الجميع."
انفجرت غزالة ضاحكة:" الحكم ليس للنساء يا لبنى، لا تكوني سخيفة." و لكن لبنى لم تعلق و اكتفت بتجاهلها فقد كان لديها شيء أهم لتفكر به...
يوجد شيء غير منطقي في هذه الزيجة.
و منذ أن غزالة هي زوجة أخيها الأكبر ضرغام، فقد قررت التحدث معها بهذا الشأن، فبادرت بسؤالها:" أخبريني غزالة، هل أخبرك ضرغام بشيء ما حول العجوز الذي خطبني؟ شيء يحتمل أنه لم يتم إخباري عنه مثلا؟"
نظرت غزالة نحوها بغباء، و لم يبدو أن لديها فكرة عن الموضوع، فهزت رأسها بالنفي ثم سألت:" هل حدث شيء لتسأليني سؤالا غريبا كهذا ؟" أومأت لبنى:" في الواقع نعم، صادفت رجالا من قبيلة عرجان، و تحدثوا إلى ضرغام بصفتهم أقرباء العريس، و لم يبدو على ضرغام التفاجؤ من ذلك." ارتفع حاجبا غزالة الرقيقين و هي تقول:"قبيلة عرجان!؟ و لكن حسب ما أعرف فخطيبك من هنا، و أهله أيضاً."
"هذا ما وجدتني محتارة بشأنه."
"حسنا، فليكن ما يكن، ليس و كأن ذلك سيغير شيئا من الجنون الذي تخططين لفعله." تنهدت غزالة ثم أعقبت و في عينيها بعض الرجاء:" أسألك لآخر مرة، هل أنت واثقة مما أنت مقدمة عليه؟ تعلمين أنه إذا كشف أمرك فلن يتسامح آزر معك أبداً، إن أصابك مكروه يا لبنى فإنني سأفقد عقلي!"
" للمرة المليون، نعم، أنا واثقة و لن أتراجع!" رفعت لبنى أنفها في عناد،  ثم باغتت غزالة بحضن كبير:" و لكن لا يسعني التغاضي عن شخص يقلق بشأني، إن هذا يدغدغ مشاعري!
شكرا لك يا غزالة، إنك أقرب إنسانة إلى قلبي بعد ماما."رمقتها غزالة بنظرة جانبية:" هذه مرتبة متدنية، ليس في قلبك سواي و إياها، هذا ما قلته لي آخر مرة."
" و من يكترث، المهم أنني أحبك يا غزالتي" صاحت لبنى و هي تحتضنها بقوة أكبر لتصرخ غزالة:" رويدك، لبنى! ستقتلينني و الطفل!!" عندها قفزت لبنى مبتعدة لتفسح المجال لزوجة أخيها كي تلتقط أنفاسها.
قالت لبنى بحزم :" عندما أغيب اعتني بنفسك جيدا، اتفقنا؟ لا تضغطي على نفسك، دعي كل شيء للخدم."
"لا تقلقي علي، سوف أكون بخير. و أنتِ اعتني بنفسك."
أومأت لبنى، ثم اكتفت الشابتان بصمت عميق بعدها بينما تطالعان الجدار  و قد شدت كل منهما رحالها لعالم الأفكار خاصتها.  و لم تستيقظا من ذلك الشرود إلا على صوت أمة تقف عند المدخل و تنادي عليهما.
قالت غزالة بلطف:" معذرة، ماذا كنت تقولين؟"
" لقد أمرني شيخنا بأن نبدأ في الاستعدادات للزفاف، فهو سيكون في الظهيرة كما سبق و تم الاتفاق."
تبادلت الاثنتان النظرات بجدية، قبل أن تقف غزالة و تتجه نحو الأمة:" سوف أتكفل أنا بتجهيز لبنى ثم أنضم لك و البقية في المطبخ لإعداد الطعام، شكرا لإعلامنا."
" هذا واجبي سيدتي، إن احتجتما لشيء فناديانا."
ردت بأدب ثم انصرفت.
أغلقت غزالة الباب الخشبي البسيط، و هرولت إلى لبنى و هي تخفض صوتها:" ما تفاصيل خطتك المزعومة؟ هل ستغادرين الآن أم في منتصف العرس أم بعده؟"
"قالت ماما أن أمضي في التجهيزات بشكل طبيعي حتى تعطيني الإشارة."
" أية إشارة؟"
"لم أفهم تماما، قالت أنها أشياء تنفجر و تصدر صوتا عاليا قبل أن يشب حريق، ما دام لها هذا التأثير القوي فأظن أنه يسعني ملاحظتها من أي مكان أكون فيه."
" هذا يبدو خطيرا! " قالت غزالة برهبة.
" لا تقلقي، دعينا نلعب الآن بالزينة و نستمتع بوقتنا قبل أن تحين حريتي." سحبتها من كتفيها نحو صندوق خشبي كبير يستند إلى الحائط، و تركتها واقفة بينما تخرج مرآة مدورة صغيرة و بعض الفراشي و علب الزينة التي اقتناها ضرغام لزوجته من أحد الباعة الجوالين.
"هل هناك حاجة لأن تتجملي بينما ستهربين في الصحراء؟"
" بلى، حتى لا يشك أحد في أمرنا، يجب أن أبدو كعروس عادية، ثم إنه لطالما رغبت في وضع هذه الأشياء.
سأنظفها في طريق الهروب على أية حال."
تحدثت بحماسة بينما تجرب الكحل على يدها.
"و إلى أين ستذهبين؟، لم تخبريني." قالت غزالة بينما تسحب الكحل من يديها برفق و تشرع في وضع المساحيق لها.
أجابتها لبنى بابتسامة:" لا أدري، ماما لم تقرر بعد، قالت نهرّبك ثم نرى في الأمر.
يجب أن أرحل إلى حيث لا يخطر على بال."
زفرت غزالة:" أرجو أن يمر هذا على خير ما يرام."
أخذ الأمر قرابة الساعة ، من المسح و التعديل، ثم ساعة أخرى لتمشيط الشعر، فلبنى كانت تتركه يتشابك و لا تكترث بتسريحه، و عندما فرغت غزالة رفعت المرآة في وجه لبنى و هي تترقب رأيها بالنتيجة.
رغم شخصية لبنى الخشنة إلى حد ما، إلا أن قسماتها كانت لطيفة و رقيقة، و مع الزينة على وجهها و شعرها، فقد اعترفت لنفسها بأنها آية في الجمال.
أخذت تتأمل كيف عانق الكحل حواف عينيها الواسعتين، و كيف تناثرت أهدابها الطويلة لتتناسق و سوداوتيها الحالكتين. و كذا تراقص اللون الوردي على بشرتها البيضاء ليتلاءم و حمرة شفتيها. رفعت أنفها الحاد لأعلى و تبسمت في غرور، فضحكت غزالة ضحكة رنانة و شاركتها لبنى.
علقت غزالة و هي تنظر للقرط الفضي اليتيم المعلق على أذن لبنى اليسرى:" لديك الكثير من الأقراط من خطيبك يا لبنى، أعلم أنه قرط عزيز و لكنه واحد فقط و هو لا يتلاءم و لباسك، أ تريدين لو تستبدلينه..؟ " عقدت لبنى حاجبيها بانزعاج:" لا!"
قاطع نظرات الفتاتين لبعضهما بصمت طرق على الباب، لتستقيما واقفتين.
أذنت غزالة للطارق بالدخول، ليصدر الباب قعقعة مزعجة و هو يندفع إلى الداخل، سامحا لمن خلفه بأن يدخل، بقامته الفارعة و قسماته الحسنة، و التي تبدو كنسخة رجولية من لبنى.
ألقى التحية في أدب و هدوء، و لم يبدو أن لبنى قد سرت بهذا الزائر، فقد أشاحت بوجهها نحو زاوية بعيدة في الغرفة، و احتقن وجهها غضباً مكبوتا.
أسرعت غزالة نحوه آملة أن تقضي حاجته بسرعة و يغادر قبل أن يفسد مزاج صديقتها أكثر:" أهلا و سهلا يا أخيل، أنى لي أن أساعدك؟"
  - "فقط..هذه، قد أرسلها وفد من أهل العريس."
  حمل صندوقا مزخرفا كان ينتظر في الخارج، و وضعه داخل الغرفة بصمت، ثم غادر مغلقا الباب وراءه.
ترك حضوره جوا خانقا في أركان الغرفة، فطفقت غزالة تحاول تلطيفه و قد انحنت تفتح الصندوق الكبير هاتفة باصطناع:
"يا ترى ماذا يوجد فيه؟ أوه تعالي و انظري يا لبنى إنه ثوب من الحرير، كم يبدو ثميناً! أوه، و توجد بعض الحلي الذهبية أيضاً.." شهقت:" أ هذا زمرد؟"
"زمرد؟" استنكرت لبنى و قد التفتت نحو غزالة و أخيرا، لتهز الأخيرة رأسها مؤكدة و هي تدلدل إحدى القلادات. أمسكتها لبنى تتفحصها بجدية ثم قالت:" منذ متى و ذلك الكهل بهذا الثراء ؟ جديا، أنا بدأت أشعر بالخوف."
" يا إلهي، أنت محقة. لم أفكر في الأمر! " اندهشت غزالة ثم عادت تقول محاولة تفسير الأمر:" لربما غاب طوال هذه الفترة لأنه كان في زمردار، ربما وجد عملا مربحا هناك و الآن بعد أن صار فاحش الثراء عاد ليتزوج خطيبته التي نضجت."
"لا تستخدمي عقلك مرة أخرى."سخرت لبنى لتتذمر غزالة و قد احمر وجهها:" ماذا! ليس و كأنه مستحيل."
كتفت لبنى ذراعيها و قالت:" و ماذا عن عرجان؟ ما علاقة هذه القبيلة به؟ إن كنت أعرف شيئا بشأن ذاك الكهل فأنه قتامي أباً عن جد، و قبيلة عرجان لا يقربوننا من شيء، إن أكثرهم من السود!"
" حقا ؟ أنا لا أعلم الكثير بشأن القبائل الأخرى..
هل لا يوجد أشراف في عرجان؟ أ كلها من العبيد؟"
"قد يكون أسلافهم عبيدا، و لكنهم أحرار، و يعتبرون أنفسهم أشرافاً رغما عن أنف الجميع." ردت لبنى و هي تنظر إلى النافذة الصغيرة المطلة على الفناء، و وجدت نفسها تبتسم بخفة لتذكرها شخصا تعرفه من هناك.
كان هادئا مسالما، و يرى الخير في كل شيء من حوله، و ما كان شيء ليخرجه عن طوره سوى نعته بالعبد.
تساءلت غزالة عن سبب تلك الابتسامة، و لكنها لم ترد إزعاجها، فأيا كانت الخاطرة التي أفرحتها، فقد أرادتها أن تظل تسبح فيها مرتاحة هكذا.
مر الوقت سريعا، و امتلأ منزل شيخ القبيلة و الساحة الرئيسية المتاخمة له، برجال قبيلة قتام ، بينما شغلت بعض النساء - التي سمح لهن رجالهن أو آباؤهن بالذهاب - غرفة بسيطة داخل الدار، و قد زهون بالطبل و الأناشيد، و نهضت بعضهن للرقص. في حين أخذت أخريات يتهامسن، بعضهن ينتقدن ترتيبات الزفاف، و أخريات ينتقدن أهل العريس و قد اكتشفوا أصولهم " المخزية " على حد قولهن.
خارجاً، عند باب الدار، وقف أحد إخوة لبنى الستة، و هو أكبرهم، و قد كان رجلا في بداية ثلاثيناته، بلحية كثيفة و شعر يلامس أذنيه و قد اختفى معظمه أسفل عمامة خضراء كبيرة.
كان في أبهى حلته، يقف مختالا عند المدخل و هو يستقبل الضيوف الذين كانوا ينهالون عليه بالتهاني و المديح المبالغ فيه، و كان في ذلك اتقاء منهم لبطشه و ظلمه، فقد كان من النوع الذي يقتل إذا غضب، و كان هذا شيئا جليا في عينيه الغائرتين الباردتين.
إلى جواره كان يقف شاب يصغره بعدة سنوات، و قد عكس وجهه حماقته و حقارته، أتعبه الوقوف فاستند إلى سور الدار الصخري و قال في شيء من الغيظ و هو يطالع من حوله:
" أعجب من تجهيز عرس كهذا لتلك الرعناء.
أ لم يقل ذلك العجوز أنها ستزف له بلا احتفال؟ ثم و منذ متى و له أهل من بني عرجان؟ هلا أخبرتني يا آزر."
"إنها لن تزف لذلك العجوز، لقد فُسِخت خطبتهما بالفعل منذ سنوات."
رد آزر بنبرته الجامدة، لينتفض ابن عمه عن السور مذهولا، و قبل أن يتحدث أضاف آزر و قد رمقه بطرف عينه:" هل أفهم من ردة فعلك اعتراضا على شيء ما يا هَلَل؟" تبسم المخاطب بتوتر و نفى برأسه و هو يقهقه: "أبداً !  أبداً يا شيخنا، ليس و كأنه كان عليك إعلام أحد، هذا شأنك و ليس لي أن أتدخل، أعتذر."
التفت آزر ليكمل هز رأسه أمام تحيات الضيوف، في حين مسح هلل على رقبته ثم أخذ يهز ثوبه طلبا لبعض الهواء فقد سبح في عرقه لثوان.
في تلك الأثناء، كانت لبنى قد دخلت إلى حيث النساء و يدها في يد غزالة، و قد قادتها إلى الكرسي الفارغ في الوسط، و أجلستها و هي تعدل الغطاء الأحمر الشفاف على وجهها. ثم التفتت إلى النساء تشاركهن التصفيق بينما كانت الإماء يوزعن التمر و اللبن على الضيفات.
خطفت غزالة نظرة نحو لبنى لتجدها تتابع الإماء بلعاب يسيل، فبقدر شغفها بتلك العجوز ماما، فهي أيضا شغوفة بالتمر. أسرعت إليها راجية أن لا أحد انتبه لتعابير وجهها ثم جزرتها بنظرة حادة، لترفع لبنى ظاهر يدها و تمسح فمها و تهمس:
" أحضري لي البعض، تلك التمرات يبدون في غاية الحلاوة"
"هذا ليس وقت الأكل، أنت عروس، حافظي على لباقتك."
"و لكن.."
" بلا لكن يا لبنى! أعطيك البعض لاحقاً."
زفرت لبنى الهواء و أرجعت ظهرها للوراء في استسلام. ثم أخذت تتحسس بحذر حقيبة الجلد التي تربطها في احدى ساقيها، وصنعت ابتسامة جانبية، من ثم أخذت تراقب فرحة النساء من حولها.
انتفضت بخفة إثر الزغاريد العالية القادمة من الخارج و أخذت تتلفتت من حولها في دهشة، أ ليس الرجال فقط من بالخارج؟
تركت إحدى النسوة الغرفة و عادت مسرعة و هي تقول بحماسة:" إنهم أهل العريس! أ تصدقن أنه أتى و معه بعض من النساء ؟ يا إلهي يبدو أن قبيلة عرجان جريئون!"
تجمعت النساء ينظرن من فتحات الباب الرئيسي و النوافذ، بينما نزلت لبنى عن الكرسي و حملته إلى احدى نافذتي الغرفة ثم صعدته و أخذت تطل بينما غزالة تحاول إنزالها خائفة من ما سيقوله الناس عنهم.
" أين هم لست أرى شيئا !" تذمرت لبنى بانزعاج لتزفر غزالة بيأس، تطلعت النسوة نحو العروس بصدمة، ثم تبادلن النظرات و قالت احداهن:" لقد دخل العريس و من أظنه أباه لجهة الرجال، و أظن أن النساء اللاتي كن معهما في طريقهن لجهتنا؟"
" كم عدد أولئك النساء؟ أ هن كبيرات في السن؟" سألت لبنى.
"ليس كثيرا، معظمهن يبدون يافعات للغاية." ردت المرأة نفسها.
تذكرت لبنى أمرا فأسرعت تسأل:" مهلا! أ تمكنت احداكن من رؤية وجه العريس!؟ هو شيخ كبير صحيح؟"
" أنا رأيته، إنه صغير، لا أظنه أتم العشرين حتى!"
ردت أقرب واحدة إلى النافذة، لتصمت لبنى قليلا  ثم تنزل عن الكرسي الخشب و تجره إلى حيث كان ثم تجلس عليه مفكرة.
اقتربت منها غزالة و هي تقول بصوت لا تسمعه سواهما، بينما عاد النساء للتطبيل و الرقص:" ما معنى هذا ؟ أ تغير العريس فجأة ؟"
" لا أدري حقا..ذلك الآزر يظن أن بوسعه أن يفعل ما يحلو له دون أن يتعب نفسه بشرح شيء لأي أحد. أراهن أنه قد حصل على شيء منه ليقبل هذا الشاب و يلغي الخطبة الأولى.
حسنًا ، ليس و كأن ذلك مهم على كل حال كما تعلمين." ردت لبنى و هي تضع قدما على قدم، لتسحب غزالة احدى قدميها لأسفل فتعدل جلسة العروس.
تثاءبت لبنى و هي تسند وجنتها إلى قبضتها المتكئة على طرفي الكرسي، و هذه المرة لم تمنعها غزالة، فهي كانت تجلس أسفل قدميها، على الفراش المبسوط، و قد دغدغ النعاس عينيها هي الأخرى، و النساء اللاتي جئن مع العريس كن لم يحضرن بعد و قد قيل أنهن ذهبن لإنزال الهدايا التي أحضروها، و نظرا لتأخرهن فيبدو أنها كثيرة و ثقيلة.
كانت النساء و الشابات مستمرات في الغناء و الرقص، فجميعهن كن في حاجة إلى أي فسحة للترفيه عن أنفسهن وسط حياتهن الصعبة في هذه القبيلة التي تعز الرجل أيما معزة.
كانت الضوضاء التي يحدثنها مزعجة للبنى التي لم تكن من محبي الصخب و الأغاني، و لكنها كانت متسامحة معهن و متفهمة لحاجتهن لهذه الفوضى، لذلك التزمت الصمت.
تثاءبت مرة أخرى و هي تنظر نحو النافذة، فقط متى ستظهر تلك الإشارة لتسافر بعيدا عن هذا المكان ؟
" هل أنت متأكدة مما تقولينه؟ أ هو اليوم حقاً؟"
" أجل، لقد أخبرني زوجي بهذا في الصباح."
"لقد مضت الخمس سنوات بسرعة! سيعود أولئك الأطفال إلى هنا رجالا أشداء، كم هذا مدعاة للفخر. أ ذهب لديك أحد؟"
"نعم، ابني الصغير. لكم اشتقت إليه."
أنصتت لبنى لحوار بين سيدتين قريبتين منها بنصف تركيز، لتسأل محاولة إبعاد غمامة الملل عن سمائها:"عذرا، عن ماذا تتحدثان؟" نظرتا إليها لتقول آخر من تكلمت، ببشاشة:
" أوه لبنى لا بد و أنك تنتظرين عودته أنت أيضا!
أذكر أنه كان مثل ظلك، يلاحقك في كل مكان حتى أنه كان لا يبرح المنزل فقط ليبقى معكِ."
أدركت السيدة من التعبير الغبي على محيا لبنى أنها لم تفهم فأسرعت توضح: " أنا أتكلم عن شقيقك الأصغر، دُريد!"
طرفت لبنى متذكرة و قد ارتفعت زاوية شفتيها :
" أوه صحيح.. كان لدي أخ صغير.."
ضحكت السيدتان بارتباك و قد ظنتا أنها تمزح.
نظرت نحوهما لبنى و سألت مجددا:
" و لم كنتما تتحدثان عن..ما كان اسمه ثانية؟"
"د..دريد؟" ردت المرأة الثانية و قد أرعبتها الجدية في حديث لبنى، أ يمكن أنها نسيت أمر شقيقها الذي من لحمها و دمها؟
بل و كان على عكس بقية إخوتها، مُحبًا و خدومًا!
"آه أجل دريد..ما به؟" قالت لبنى.
" إنه.. سوف يعود مع بقية الغلمان من البيداء هذا اليوم"أجابت احدى السيدتين بينما تتبادل النظرات مع الثانية. أشاحت لبنى بوجهها و ألقت بسمعها نحو النساء على جانبها الآخر بعد أن لم تجد ما يثير اهتمامها عند تلكما المرأتين.
كانت الحفلة قد توقفت للحظات، عندما تم تقديم بعض الحلويات على الضيفات.
طالعت لبنى فرحتهن الصغيرة و تلذذهن بالأكل، و  قد رسمت ابتسامة حنونا خلف غطاء وجهها، كم كان قلبها ينشرح لرؤية أنثى باسمة! و هذا شيء يندر حدوثه بفضل الرجال، فمعظم الباسمات هنا لقين حياة متعبة مثلها، و عسر على شفاههن التبسم.
نظرت نحو الباب في انتظار دخول النسوة اللاتي رافقن العريس الجديد، أ هن قريباته، أخواته أم زوجاته ؟
و لكن الرعب ملأها حين شعرت بالأرض تهتز أسفلها بعد أن دوى صوت انفجار عظيم!!
أخذت النساء يصرخن و قد أسرعن إلى خارج الغرفة متسائلات عما حدث.
أمسكت غزالة يد لبنى بشدة و في عينيها الكثير لقوله، أحكمت لبنى مسكها أيضا و ابتسمت رغم حاجبيها المعقودين بتوتر:
" أظنها هي.. سيكون علي المغادرة الآن..لا تخشي علي من شيء، سوف أعود لأشارك بالمنافسة، فقط تمني لي هروبا ناجحا."
"لبنى.." ارتجفت شفتا غزالة و احتضنتها:" إياك، إياك أن يمسكوا بك قبل أن تصلي إلى بر الأمان."
  - " صحتك مهمة يا غزالة، لا تؤذي نفسك بالقلق لأجلي.  أنا لن أموت، و لن أدع أحدا يمسكني، كوني مطمئنة."بادلتها لبنى الحضن باسمة بهدوء.
طُرِق خشب النافذة ثلاث مرات مستعجلات، فأسرعت لبنى تتفقد الأمر، لتجد هناك شابة تراها لأول مرة، مختبئة تحت رداء بلون رملي، و قد كانت داكنة البشرة إلى حد ما.
  - " من تكو.." قاطعت الشابة لبنى قائلة:" ليس هنالك وقت للشرح، أظنك لبنى، صحيح؟"
  - " نعم."
  - "إذا تعالي معي، بسرعة! أرسلت من طرف ماما."
تورد وجه لبنى حماسة، فألقت نظرة أخيرة على صديقتها ثم قفزت من النافذة تزامنا مع انفجار آخر، لتسأل لبنى قلقة:
" هل سوف يكون الناس بخير ؟ "
  - "الرجال فقط من هم بالخارج، لا أضمن سلامتهم تماما من الحريق و لكنه ضروري للتمويه، سينشغلون بإخماده، هيا بنا."  قالت الفتاة ثم أمسكت بكف لبنى و انطلقتا تعدوان نحو مدخل الدار و أكملتا الجري منحنيات بمحاذاة السور. لاحظت لبنى أن الصبية السمراء كانت قد توقفت للحظة تنظر لشخص ما من بين حشود الرجال ثم تنهدت براحة و ابتعدت بها.
خفت سرعتهما عندما ابتعدتا بمسافة آمنة، فأفلتتا أيدي بعض، و التفتا للوراء، حيث تشكلت سحابة رمادية ضخمة في السماء.
زال القلق عن لبنى و وقفت بشموخ :" هذه البداية فقط، سيدفعون الثمن و أكثر ! "
  - " بالضبط."
  نظرت الفتاة في عيني لبنى بقوة و عزم.
ارتاحت لبنى لها كثيرا، و سألتها و هي تمشي خلفها:
" هذه مرتي الأولى التي أقابل فيها احدى بنات ماما، هل لي أن أعرف اسمكِ ؟"
" أنا جَوْنَة، لي شرف لقائك يا لبنى، فأنت الأعز بين بناتها، لا تنفك تخبرني أن أعمل بجد مثلك، فكما تعلمين لم يبق الكثير لتصلي لمنصب شيخ القبيلة!" تحدثت الفتاة بإعجاب حقيقي، لتبتسم لبنى بافتخار لمعزة ماما لها بين الجميع، و ما كانت لتنكر قربها للمنصب و لو أن الأسابيع و الصعوبات تفصلها عنه.
شكرت جونة في امتنان، ثم سألت: " هل قابلت بناتا غيري؟ كم هو عددكن ؟ لم أسأل ماما الكثير عن هذا الموضوع إذ لم أتصور أن أقابل أيا منكن بهذه السرعة."
فكرت جونة و قالت:" لم أقم بعدّنا صراحة، و لكننا كثيرات و فينا من كل القبائل!
يؤسفني أنه ليس في قتام سواك أنت و نجوم، فرغم كل العناء إلا أن الكثيرات هنا لا يملكن الشجاعة للمواجهة." عبست لبنى و كأن غمامة الحريق وراءها قد حطت فوق رأسها، فانتبهت جونة لذلك، لتتوقف معتذرة و يدها على كتف لبنى:" لم أقصد أن أفتح جروح الماضي، هي بعد كل شيء ابنة عمك و لا بد أنها كانت عزيزة على قلبك.
يؤسفني ما حدث لها و لكن الظلم الذي لحق بها يدفعنا للمواصلة خلف الحلم! لن تنساها أي منا و لو لم نعرفها أو نرها، فالنساء لبعضهن في نهاية المطاف."
"يسرني أنكن تحملن مشاعر كهذه لنجوم، كانت لتكون ممتنة لكن كثيرا." أجبرت لبنى نفسها على الابتسام رغم ذكرى ابنة عمها التي رحلت شابة صغيرة بسبب رجل متملك و آخر أحمق.
بعد فترة من السير في الأرض الجرداء، توقفت جونة و أخيرا لتفعل لبنى أيضا و تسأل و هي تجلس على صخرة متوسطة ناتئة من جبل متوسط الحجم: " لقد كنت شاردة و نسيت سؤالك عن وجهتنا، و كذلك أين هي ماما؟ قالت ستراني قبل سفري."
" أنا هنا " تفاجأت لبنى بالصخرة تهتز أسفلها و تتزحزح ناحية اليسار قبل أن تتوقف، نظرت لليمين و رأت ماما تخرج من ثقب كبير في الجبل على ركبتيها ثم تستقيم واقفة.
علقت لبنى و هي تجلس على ركبتيها و تنظر لداخل الفوهة خلف الصخرة " عجباً ، أ هذا كهف مخفي! "
  - " هذا صحيح، إنه أحد مخابئ ماما."
   أجابتها جونة، قبل أن تلتفت لماما التي خاطبتها:
" أحسنت صنعا يا ابنتي جونة، كنت أعلم أنه يمكنني الاعتماد عليك في مساعدة أختك."
- " هذا واجبي يا ماما ! ثم لم يكن في الأمر أي مشقة."
  - " بوركتِ يا بنيتي" مسحت ماما على رأسها ليتورد وجه جونة فرحاً برضاها عنها، و قد شعرت لبنى بغيرة صغيرة، فهذه المرة الأولى التي ترى فيها ماما تخاطب غيرها بلطف و محبة.
  - " و الآن يا صغيرتَي! علينا إكمال ما بدأناه.
  اتضح أن عريسك قد تغير يا لبنى منذ فترة، و خطبك شاب من بني عرجان، لو كانت نجوم بيننا لكنا علمنا في وقت أبكر، من الصعب خسارة عينٍ مثلها." تنهدت ماما بحسرة لتقول لبنى ببعض الانزعاج الطفولي:" صحيح أن نجوم كانت مفيدة في نقل الأخبار لنا و لكنها كانت أكثر من مجرد عين يا ماما."
"تعلمين أني لا أحب خلط مشاعري بالعمل و لهذا قلت ذلك، إن لها مكانا كبيرا في قلبي فلا تشكي بهذا و لو للحظة واحدة."
هزت لبنى رأسها برضا.
"و لأن جونة من عرجان أيضا فسأرسلك معها لتقيمي عند أهلها لفترة من الزمن، لن يشك أحد في ذهابك إلى هناك! فمن هذه العروس التي تهرب إلى قبيلة العريس الذي هربت منه؟"
" أ لا بأس في ذلك؟ هل سيوافق أهلك على قدوم فتاة غريبة لا يعرفونها ؟" سألت لبنى جونة التي ردت بثقة:" لا تشغلي بالك، في وسعي إقناعهم ثم إن والداي شخصان متفهمان."
" عليكما الانطلاق الآن قبل أن يلحظوا غياب لبنى و يرسلوا أحدهم للبحث عنها." أمرت ماما.
و بذلك بدلت لبنى ثوب العرس خاصتها بثوب آخر كانت ماما قد جلبته معها، و شدت الرحال فوق الحصان الذي تركته جونة على مسافة أمامهم، فركبتاه معا و تحرك بهما ليتسابقوا و رياح الصحراء الحارة.
و لأنهم كانوا في طريق الخروج من أراضي قبيلة قتام، فكان لهم أن صادفوا أشخاصاً يدخلون حدودها، فثبتت الفتاتان غطاء رأسيهما بإحكام لئلا يتعرف أحدهم على أي منهما.
كانت تلك قافلة من المسافرين الذين لا تتجاوز أعمارهم العاشرة، و قد كان كل منهم يمتطي جملا.
من بينهم كان هناك غلام ذو ملامح لطيفة، و شعر يداعب كتفيه، نغز قلبه شعور غريب فتوقف و نظر نحو المسافرَين الملثمَين اللذين يغادران القبيلة. لم يعرف ما أثار فضوله تماما أو ما لفته فيهما، و لكنه فقط طالعهما شاردا و هما يبتعدان، ثم عاد يكمل المسير متبسما  لأصحابه ابتسامة تفتقر لبعض الأسنان.
هؤلاء الغلمان المتحمسين لرؤية القبيلة و أهاليها، كانوا قد ترجلوا عن جمالهم مدهوشين من الحالة الفظيعة التي كان عليها جزء من بيت شيخ القبيلة! كان الدخان قد تلاشى بعد أن أطفئت النار، و لكن الأرض و الجدارن حالت إلى لون فاحم و قد تناثر عدد من الرجال و الشبان المصابين حول المكان.
تحدث الغلام المذكور آنفا بجزع و قد تطلع إليه رفاقه في انتظار ردة فعله حيال بيته المحترق:
" ما.. ما الذي حدث هنا بحق خالق السماء !! "
_________________
* متاخمة : مجاورة، محاذية.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.