نوستالجيا
نوستالجيا
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

الفصل الأول

كانت الغرفة غارقة في عتمة خانقة، لكن صوت الشجار القادم من الطابق السفلي يشق الصمت كخنجر صدئ. صراخ والدها حول الفواتير المتراكمة، تلاه نحيب والدتها المتقطع الذي يشبه حشرجة الاحتضار.
على الأرض الباردة جلست أريا تسند ظهرها إلى سريرها وتحيط ركبتيها بذراعيها، محاولة حشر نفسها في أصغر حيز ممكن، وكأنها تحاول الاختفاء من الوجود.
أمامها، على طاولة الدراسة المتهالكة، استقرت نشرة إعلانية مجعدة لأكاديمية الطيران في ميامي. كانت تنظر إلى صورة الطائرة البيضاء وهي تشق عنان السماء الزرقاء، بعيداً عن الجدران التي تقشر طلاؤها، وبعيداً عن شيكاغو الرمادية التي تبتلع أحلام قاطنيها. بالنسبة لأريا لم يكن الطيران مجرد حلم؛ كان النجاة. لكن الأرقام في أسفل الورقة؛ تكاليف الدراسة، كانت تسخر منها، فهي لا تملك ثمن تذكرة حافلة للوصول إلى تلك المدينة، فكيف بامتلاك السماء؟
في لحظة تصاعدت حدة الصراخ بالأسفل، وتلاه صوت تحطم زجاج. في تلك اللحظة، شعرت أريا وكأن الغرفة تضيق، والجدران تزحف نحو صدرها. تسارعت أنفاسها بشكل هستيري، وجف حلقها تماماً. بدأت يداها ترتجفان وهي تحاول سحب الهواء، لكن الرئتين بدتا وكأنهما توقفتا عن الاستجابة.
أغلقت عينيها بقوة لدرجة أن الجفون آلمتها، وضغطت كفيها المتعبتين معاً بقوة هائلة، لم تكن مجرد متشابكة، بل كانت يداها تعتصران بعضهما البعض بعنف، كأنهما تبحثان عن ذرة أمل أخيرة. كانت عروق يديها بارزة، ومفاصلها بيضاء من شدة الضغط، وكأنها تحاول حشر كل يأسها، وكل خوفها، وكل ما تبقى من روحها في هذه القبضة المتشنجة. لم تعد تشعر ببرودة الأرض تحتها؛ كل تركيزها كان على الألم المنبعث من يديها، والذي كان أخف وطأة من الألم الذي يعتصر قلبها.
وسط هذا الصمت المخنوق، رفعت وجهها المبلل بالدموع واليأس، وبصوت مهشم، يخرج من قاع روح محطمة، أطلقت صلاتها الأخيرة:
"أنا هنا، في أعمق نقطة من عتمتي.. لقد تحطم كل شيء حولي، ولم يتبقَ مني سوى هذا الثقل الذي يكاد يسحقني.
أريد فقط أن أتنفس، أريد أن أنفض غبار هذه الأرض عن روحي وأطير.. أرجوك، امنحني الأجنحة التي وعدت بها المتعبين.. أمنيتي بالخلاص مقابلة لأي شيء.. سأدفع أي ثمن، سأتحمل أي عبء، فقط.. خذني من هنا.. اصنع لي مخرجاً.. ولو كان ثقب إبرة في جدار الخوف.. "
ظلت يداها مضغوطتين، وجسدها يرتجف ببطء، حتى بدأ التعب يستولي عليها، ولم يعد هناك صوت في الغرفة سوى رنين كلماتها الأخيرة في الهواء، والتي بدت وكأنها اخترقت السقف المائل وذهبت بعيداً.. حيث توجد الإجابة.
في الصباح التالي، استيقظت أريا بجسد متيبس، ظلت مستلقية على الارض الباردة حيث غفت بالأمس. نظرت إلى سقف الغرفة المائل ببلادة، وشعرت بخيبة أمل صامتة لأنها استيقظت في نفس المكان، بنفس الثياب، وبنفس الهموم.
نهضت ببرود، وغسلت وجهها بالماء البارد حتى طردت بقايا الملح من جفنيها المحتقنين. تجنبت النظر في المرآة؛ لم تكن تريد رؤية "تلك الفتاة" التي انهارت بالأمس. ارتدت سترة المدرسة الواسعة التي تخفي نحولها، وحملت حقيبتها لتخرج من المنزل دون إفطار، ودون أن تنظر نحو المطبخ حيث كانت تسمع صوت أنفاس والدها الثقيلة وهو يقرأ الجريدة بصمت جنائزي.
لم تفكر فيما حدث بالأمس؛ فقد أصبحت نوبات منتصف الليل طقساً دورياً، ثقباً أسود يبتلع مشاعرها ثم يلفظها في الصباح لتواجه حياة لا ترحم.
سارت في الشوارع المؤدية للمدرسة كخيال باهت، عيناها معلقتان بالأرض، تعد خطواتها لتشغل عقلها عن التفكير في "المستقبل" الذي تراه مسدوداً.
مرّ اليوم الدراسي كضباب رصاصي. لم تسمع شرح المعلمين، ولم تشارك في ضحكات الزملاء. كانت مجرد جسد يسير في الممرات، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الهموم المالية وقلق الامتحانات النهائية التي تقترب كحبل مشنقة.
كانت تجلس في المقعد الأخير، تحتمي بظلها، وتنتظر فقط أن تنتهي هذه الساعات الثقيلة؛ نوبة هلع الأمس قد تركت في روحها فجوة، نوعاً من الخدر الذي يجعل كل شيء يبدو غير حقيقي، كأنها تشاهد حياتها من خلف زجاج سميك.
وحين دق جرس الانصراف، لم تتوجه للمنزل. كانت تخشى الجدران الخانقة، فسارت بلا هدف في أطراف المدينة، حيث اقتربت من مكانها المعتاد الذي يطل على المطار. جلست على رصيف متهالك، تراقب الطائرات البعيدة وهي تقلع، تاركة خلفها خطوطاً بيضاء تشق السماء.
قضت ساعات وهي ترسم في مخيلتها مسارات وهمية للهرب، تارة تقرأ في كتاب مدرسي قديم، وتارة أخرى تحدق في الأفق حتى غابت الشمس وبدأ البرد يقرص جلدها. كانت تحاول تأخير لحظة العودة إلى "واقعها" قدر الإمكان، تماطل في مواجهة قدرها وبيئتها المشؤومة.
حين أصبحت السماء بلون الحبر، عادت للمنزل. حيث تسللت من الباب الخلفي للمنزل، صعدت السلالم الخشبية بهدوء و بسرعة لتتجنب أي مواجهة مع والديها، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بالقفل المتهالك.
لم تفتح النور. كانت تريد الاختباء في الظلام الذي تألفه. ألقت بحقيبتها أرضاً، وبينما كانت تتوجه نحو سريرها، توقفت فجأة وتجمدت يدها التي كانت تهمّ بخلع سترتها المدرسية. لم يكن الصمت في الغرفة كعادته؛ كان هناك طنين غير مسموع، ترددٌ غريب في الهواء جعلها تقشعرّ دون سبب.
نظرت نحو منضدة دراستها، وهناك، وسط فوضى الأوراق المبعثرة ونشرة أكاديمية الطيران التي كانت بالأمس شاهدة على انكسارها، استقر شيء غريب لم تره من قبل.
لم يكن مجرد وعاء، بل كان قطعة من الليل نُحتت على شكل علبة دائرية. كان لونها أزرق بعمق المحيط في ليلة قمرية، لكنه لم يكن لوناً ساكناً؛ كانت التموجات على سطحه تتحرك ببطء، كأنها سحب من الغبار النجمي المحبوس خلف طبقة من الكريستال المصقول.
على غطاء العلية، برز نقش نافر لقط وفأر في وضعية مطاردة أبدية، لكنهما لم يبدوا كرسوم كرتونية عادية؛ كانت أعينهما تلمع ببريق يشبه الألماس، وكأنهما يراقبان حركتها في الغرفة.
"ما هذا؟" همست، وصوتها بدا غريباً في أذنيها.
خطت خطوة واحدة، ثم أخرى. كان الضوء المنبعث من العلبة يزداد قوة كلما اقتربت، ومضات زرقاء خافتة تتزامن مع دقات قلبها المتسارعة. حين وصلت للمنضدة، لاحظت الملاحظة المكتوبة بخط متصل وكأنها خيوط من ذهب سائل سُكب فوق العلبة :
{مسحوق سحري-يبدأ مفعوله عندما يحل الليل}
مدت أريا أصابعها المرتجفة. لم تكن تجرؤ على اللمس، لكن شيئاً ما كان يجذبها، مغناطيسية روحية لم تستطع مقاومتها. بمجرد أن لامست أطراف أصابعها المعدن البارد، حدث الانفجار الصامت، سرت موجة من القشعريرة الدافئة من طرف إصبعها، صعدت عبر ذراعها، واستقرت في صدرها تماماً حيث كان "الثقل" يسكن بالأمس. شعرت فجأة وكأن رئتيها قد اتسعتا، وكأن الهواء في الغرفة أصبح أنقى بآلاف المرات.
تحت ضغط يدها، بدأ الغطاء ينزلق بسلاسة، وعندما فتح اندفعت من الداخل رائحة مذهلة؛ رائحة المطر العذب ممزوجة ببرودة القمم الثلجية وعبير أزهار مجهولة لا تنبت إلا في الأحلام.
في الداخل، كان المسحوق يتلألأ. لم يكن قواماً عادياً؛ كان يبدو كغيمة كثيفة من الضوء السائل، تنبعث منه جزيئات ضوئية صغيرة تطير في هواء الغرفة ثم تتلاشى قبل أن تلمس الأرض.
حبست أريا أنفاسها وهي تنظر إلى انعكاس عينيها المتسعتين في مرآة الكريم السائل. لم تكن ترى مجرد مسحوق متلألئ بل كانت ترى تذكرة لترك كل هذا الحطام خلفها. غمرها شعور مفاجئ باليقين بأن حياتها، منذ هذه اللحظة، لن تكون هي نفسها أبداً.
أخذت مسحة صغيرة من المسحوق باصبعها، وبتردد يشوبه الفضول، مسحت مسحة صغيرة على ظهر يدها اليسرى.
ما حدث في الثواني التالية جعل أنفاسها تتوقف تماماً. لم يمتص جلدها الكريم، بل بدأ الجلد نفسه يتحول.
في مكان المسحة، ظهر ثقب شفاف تماماً، ثقب لا يرى العظام أو الأوعية الدموية تحته، بل يرى الأرضية الخشبية للغرفة!
بشهقة مكتومة، تابعت المسح على كامل كفها. كان الأمر يشبه ممحاة سحرية تمحو وجودها من الواقع. يدها لم تختفِ فحسب، بل أصبحت جزءاً من الفراغ؛ كانت ترى السجادة القديمة من خلال كفها، وترى أرجل الطاولة من خلال أصابعها. ورغم ذلك، كانت تشعر بها، تشعر بدفئها وحركتها، بل إنها شعرت بقوة غريبة تتدفق في أعصابها، قوة تجعل يدها المختفية تبدو أخف من نسمة هواء.
بجنون بدأت تدهن ذراعيها، كتفيها، ثم ساقيها. مع كل مسحة، كان جسدها يذوب في عتمة الغرفة، حتى لم يتبقَ منها سوى "هالة" باهتة جداً من النجوم الزرقاء التي ترسم حدود ظلها في الهواء. وقفت أمام المرآة، فلم تجد انعكاساً؛ كانت المرآة تعكس الغرفة الخالية خلفها فقط. لقد أصبحت "عدماً" ملموساً.
حاولت أن تخطو خطوة، لكن قدمها لم تلمس الأرض بالثقل المعتاد. شعرت بضغط لطيف من الأسفل، وكأن الهواء تحت أخمص قدميها قد أصبح صلباً بما يكفي ليحملها.
رفعت قدمها الأخرى، وفجأة، كانت تطفو! لم يكن طيراناً عنيفاً، بل كان ارتفاعاً انسيابياً كفقاعة صابون تحررت من قيدها. بدأت تتحرك في هواء الغرفة، تسبح بيديها الشفافتين، وتكتشف أن النية هي المحرك. عندما أرادت الصعود للسقف، ارتفعت بلمحة بصر، وعندما أرادت الدوران، دارت حول الغرفة بخفة فراشة.
اتجهت نحو النافذة المفتوحة. نظرت للأسفل نحو الشارع الصامت، ولأول مرة، لم يشعرها الارتفاع بالدوار. دفعت نفسها بقوة من حافة النافذة، وانطلقت!
كانت السرعة مذهلة. الريح لم تكن تلطم وجهها، بل كانت تنساب من خلال جسدها الشفاف وكأنها جزء منه. اخترقت سكون شيكاغو كالشهاب الأزرق، تاركة خلفها ذيلاً من الغبار النجمي الذي يختفي قبل أن يلحظه أحد.
ارتفعت أكثر فأكثر، حتى اخترقت طبقة السحب الأولى. وهنا، بدأت التجربة السحرية الحقيقية.
اندفعت داخل غيمة ركامية ضخمة. لم يكن الأمر مجرد ضباب، بل شعرت وكأنها تغوص في بحر من القطن المبلل والبارد. كان اللون من حولها أبيض لؤلؤياً، والهواء مشبعاً برائحة المطر الخام. اختفت تماماً داخل الغيمة، تسبح في أحشائها، تشعر بذرات الماء الصغيرة تداعب جسدها غير المرئي في نشوة لم تعهدها من قبل.
عندما خرجت من قمة الغيمة، بحركة عفوية، حاولت الجلوس على سطحها. لدهشتها، شعرت بأن الغيمة تحتها تملك قواماً ناعماً ومرناً، كأنها وسادة هوائية هائلة. استلقت على ظهرها فوق السحابة، تنظر إلى النجوم التي بدت الآن قريبة جداً، كأنها لآلئ منثورة على مخمل أسود. كانت تضحك بصوت عالٍ، ضحكة صافية لم تلوثها هموم المال أو الدراسة.
مع اقتراب نهاية الليل، لم تكن تريد العودة. لمحت في الأفق بعيداً برج الساعة التاريخي للمدينة، وهو أطول بناء في المنطقة. طارت نحوه وهبطت بخفة على قمته المدببة.
جلست هناك، فوق العالم، ساقاها الشفافتان تتدليان في الفراغ. لم تكن تشعر بالخوف، بل بسلام عميق. كانت المدينة تحتها تبدو كخريطة من الأضواء الصغيرة، وبدت كل مشاكلها التي كانت بالأمس تبدو كالجبال الآن مجرد ذرات غبار لا تُرى من هذا الارتفاع.
ظلت جالسة، تراقب الأفق بعينين ملأتهما العظمة، حتى بدأت خيوط الفجر الأولى، بلونها البرتقالي تلمس حافة السماء.
لكنها لم تهتم لها وبقيت تأرجح قدميها في الهواء الطلق غير مهتمة بالتحذير الذي ورد على المسحوق.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.