فصل (1) -المَشْهدُ الأُوَّل-
صباح مُشرق.. سماء صافية.. جوٌّ جميل ومُعتدل..
حديقة منزليّة خضراء يانعة وواسعة تتوسطها نافورة مياه كبيرة.. كانت الحديقة تعجُّ بالأشخاص والأجواء الجميلة حينها..
طفلة صغيرة ذات شعر بني بعمر الثالثة تقريبًا.. تركض مرحًا بين النّاس في الحديقة.. إنّه يوم ميلادها.. معها العديد من الأطفال الأخرين.. يركضون بين حشود الناس كعصافير صغيرة تحررت من أقفاصها.. ضحكاتهم تتعالى.. وأقدامهم تدوس الأرض وتصدر إيقاعًا مزعجًا.. يتحركون كالفراش المتطاير.. يلعبون الغميضة.. تارةً يختبئون خلف الناس وتارةً يطلّون برؤوسهم بعيونٍ تلمع بالمُكر.. إمتلئت أصواتهم بالضحك والصيحات البريئة التي أعادت النبض للمكان المحتشد بالأشخاص..
أحد الأطفال " هيّا يا (شيرا) حان دوركِ للبحث عنّا "
(شيرا) " حسنًا، اذهبوا للاختباء "
قالت ثمّ أدارت نظرها عنهم لتسمح لهم بالاختباء..
وبعد فترة وجيزة ذهبت للبحث عنهم بعدما تأكدّت أنّهم اختبأوا..
كانت تضحك بحماس.. واندفعت تركض مُسرعة وعيناها تلمعان بالفوز بعدما لمحت أحد أصدقائها يحاول الاختباء.. كانت تريد الإمساك به.. وبينما كانت تركض بسرعة اتجاهه لم ترَ شيئًا أمامها سوى هدفها.. وفجأة سقطت في بركة السباحة مُحدثة جلبة كبيرة وتناثر الماء للخارج أثر قوة السقوط..
وسط ذهول الناس وصراخ بعضهم.. كانت تغرق للقاع ببطء وهيَ تسمع صوت أمها المفزوع وهيَ تكرر اسمها بهلع وخوف ولم تتذكر أيّ شيء بعدها..
– " (شيرا).. (شيرا).. "
نهضت (شيرا) مفزوعة من نومها وكانت تتصبب عرقًا وتلهث بتعب.. أدرات نظرها نحو باب غرفتها فوجدت أمّها تقف هناك..
(سوزيان) " أخيرًا استيقظتِ.. هيّا انهضي.. سأذهب وأترككِ إن لم تكوني جاهزة حالًا "
أعادت (شيرا) نظرها للأمام وهيَ تحاول نسيان كابوسها الذي أيقظها من نومها مفزوعة.. نفضت شعرها بكلتا يديها ونهضت بعدها من السرير نحو دورة المياه..
...
بعد مدّة قصيرة
أوصلت (سوزيان) (شيرا) بسيارتها للمدرسة.. فودّعتها ونزلت ثمّ أكملت (سوزيان) طريقها للعمل في الشركة..
دخلت (شيرا) بخطى هادئة نحو المدرسة.. وقد كان اليوم هوَ الأوّل في السنة الدراسيّة الجديدة والأخيرة لـ(شيرا).. لمحت صديقتها تجلس على أحد المقاعد الخشبية الموضوعة في الساحة من بعيد فسارت إليها بخطوات سريعة ومُتحمّسة..
(شيرا) بابتسامة " صباح الخير (جينا) "
(جينا) وهيَ تنهض من مكانها بسعادة وتُهمّ بمعانقتها
" صباح الخير عزيزتي "
(شيرا) " اشتقتُ إليكِ يا فتاة "
(جينا) " وأنا أيضًا "
...
في مكانٍ آخر
وصلت (سوزيان) للشركة التي تعمل بها.. ركنت سيّارتها في المواقف الخاصة للموظفين ثمّ دخلت للشركة بخطوات واثقة لا تهتز..
– أحد الموظفين " صباح الخير سيدة (سوزيان) "
(سوزيان) " صباح الخير، هل من مستجدّات؟ "
– الموظفة " لا شيء مهم، لكنّ السيد (هيون) قرر أن يعقد إجتماعًا بعد الغداء وعليكِ حضوره يا سيدتي "
(سوزيان) " حسنًا شكرًا لإخباري "
انحنت الموظفة باحترام وذهبت لعملها هيَ الأخرى.. وبدأت (سوزيان) تتفقد آخر الأعمال التي أنجزتها مؤخّرًا..
تعمل (سوزيان) لدى شركة تصميم أزياء وهيَ رئيسة قسم مهم..
...
في مكانٍ آخر -المدرسة-
دخل معلمٌ للصّف.. فعمّ الهدوء أرجائه
المعلم وهوَ يقف أمام الطلاب " صباح الخير جميعًا، أنا المعلم (هان) وأنا هوَ المسؤول عن صفّكم لهذا العام "
– أحد الطلاب " هل سنبدأ الدراسة الآن؟ "
(هان) " لا، لن نبدأ اليوم "
– أحد الطلاب " هل سنختار رئيسًا للصّف؟ "
(هان) " أجل صحيح، فليُخرج كلّ منكم ورقة "
قام كلّ طالب بإخراج ورقة وكتابة اسم الشخص الذي يرغب في أن يكون رئيسًا للصّف.. ووضعوا جميع الأوراق على طاولة المعلم لإجراء القُرعة..
(هان) " لقد أفرزت جميع الأوراق.. ولدينا هنا ستة عشر صوتًا لصالح (كيم كاترس) وستة عشر صوتًا آخر لصالح (تورتش شيرا) هل من تنازُل؟ "
رفعت (شيرا) يدها وكادت تنطق.. فقاطعها دخول طالب ما للصّف.. على ما يبدو أنّه كان مُتأخرًا..
الطالب " صباح الخير، أعتذر عن التأخير لقد فاتتني الحافلة "
(هان) " حسنًا لا بأس، أنت معفيّ لأنّه اليوم الأوّل.. ما اسمك بالمناسبة؟ "
الطالب " (أيان) "
(هان) " حسنًا (أيان)، كنّا نقوم باختيار رئيس للصّف وتساوت التصويتات، سيكون تصويتك هوَ الحاسم.. هل تختار (كاترس) أم (شيرا)؟ "
(أيان) " (شيرا) "
قالها ببرود ثمّ توجّه لأحد المقاعد الفارغة وجلس فيه وأعلن المعلم أنّ (شيرا) ستكون رئيسة الصّف..
...
في مكانٍ آخر -الشركة-
جلس الموظفون حول طاولة الاجتماعات الكبيرة وكانت من بينهم (سوزيان) في انتظار قدوم المدير لبدأ الاجتماع.. وبعد دقائق قليلة فُتح باب الغرفة ودخل المدير مُقاطعًا جميع الحوارات الجانبيّة التي كانت تدور بين الموظفين.. ترأّس الطاولة وبدأ حديثه قائلًا..
السيد (هيون) " شكرًا لحضوركم جميعًا، أعلم أن هذا الاجتماع كان مُفاجئًا قليلًا، لكن ما سأقوله الآن مهم جدًا "
صمتَ للحظة ونظر إليهم ثمّ أكمل حديثه..
السيد (هيون) " خلال الأسابيع الماضية كنّا نعمل على صفقة جديدة مع بعض المستثمرين الأجانب، كنّا نتوقّع أنّ هذه الصفقة ستنقل الشركة إلى مستوى آخر تمامًا "
تنهّد قليلًا ثمّ أكمل..
السيد (هيون) " وتبيّن لنا أنّ تلك الصفقة كانت قائمة على مستندات مزوّرة.. تمّ تضليلنا بعقود غير حقيقية وتمّ تحويل الكثير من أموال الشركة إلى حسابات وهميّة قبل أن نكتشف الأمر "
شهق بعض الموظفين بصدمة عند سماع هذا الكلام وقال أحدهم بغضب طفيف..
– أحد الموظفين " كيف لم يتم اكتشاف هذا من البداية؟ "
السيد (هيون) وهوَ يتنهّد " المستندات بدت قانونية للغاية ومرّت عبر أكثر من جهة دون مُلاحظة "
– موظف آخر " وماذا عن أموالنا؟ هل يُمكن استرجاعها؟ "
السيد (هيون) " تمّ التواصل مع الجهات القانونية، لكن استرجاع المبلغ كاملًا غير مضمون وسيستغرق وقتًا "
– أحد الموظفين " هل هناك ما يُمكن فعله؟ "
السيد (هيون) وهوَ يُطأطأ رأسه بحُزن " بسبب هذه الخسارة انسحب معظم المستثمرين من الشركة ولم يعد لدينا سيولة كافية للاستمرار "
(سوزيان) بتساؤل " وماذا سيحصل الآن يا سيدي؟ "
السيد (هيون) " سيتم إغلاق الشركة بعد أسبوع من الآن "
...
في مكانٍ آخر -المدرسة-
رنّ الجرس مُعلنًا نهاية الحصة وبدأ استراحة الغداء فخرج جميع الطلاب من صفوفهم نحوَ الكافتيريا
خرج (أيان) من صفّه يتلفّت يمينًا شمالًا.. يركض بالممرات وسط ازدحام الطلاب حتى وجد (شيرا) فركض نحوها ووقف أمامها وهوَ يلهث وقال..
(أيان) " هل يمكننا التّحدّث قليلًا؟ "
نظرت (شيرا) نحوَ صديقتها (جينا) باستغراب ثمّ أعادت نظرها لـ(أيان)..
(شيرا) باستغراب " ما الذي تريد الحديث عنه؟ "
(أيان) وهوَ يُمسك بيدها " تعالي معي فقط "
وبالفعل ذهبت معه بعيدًا عن تجمهرات الطلاب وإزعاجهم إلى مكانٍ هادئ وكانا وحدهما..
(شيرا) وهيَ تُكتّف يديها وتنظر له " أَفْصح، لمَ جلبتني إلى هنا؟ "
(أيان) دون أيّ مُقدّمات " حسنًا، كما تعلمين.. كنت قد اعترفت لكِ بإعجابي سابقًا.. وأخبرتِني أنّكِ سترُدّين عليّ حالما نعود للمدرسة "
فتحت (شيرا) عينيها على مصراعيهما بصدمة عندما تذكّرت ذلك الموقف القديم.. حين اعترف لها.. وأخبرته أنّها ستُخبره بردّها حالما يعودون للمدرسة.. لكنّها نسيت الأمر تمامًا بعدها.. ولم تفكر أبدًا كيف سترُد عليه.. فقررت مُصارحته بالحقيقة..
(شيرا) بتوتر ملحوظ " أنا.. أنا.. آسفة.. أنا حقًا.. لست مُهتمة بهذه الأمور حاليًا.. ولا أرغب في أن أكون على علاقة عاطفية مع أحدهم.. أعتذر "
قالت كلماتها وهيَ تنظر للأرض بتوتر وبدأت بالابتعاد ببطء ثمّ ذهبت.. وتركته خلفها يُصارع كلماتها التي وقعت على قلبه كالسكين الحادّ..
(جينا) بلهفة " ماذا كان يريد منكِ؟ "
(شيرا) وهيَ تجلس بجانبها " لا شيء مهم، تفاهات "
(جينا) بعبوس " ألن تخبرينني؟ "
(شيرا) " كفى، لم يحدث شيء يستحق الذِكر "
(جينا) بمَكر " لمَ تلوّن وجهكِ بالأحمر إذا كان شيئًا لا يستحق الذِكر؟ "
(شيرا) بغضب طفيف " ألا تثقين بي؟ "
(جينا) " ليس الأمر كذلك... "
(شيرا) مُقاطعةً إيّاها " كفى أرجوكِ "
صمتتا بعدها ولم تتحدثا مُطلقًا حتى حان موعد المغادرة..
(جينا) وهيَ تُشير بيدها لأحد المتاجر " ما رأيكِ أن نشترِ بعض المُثلّجات من هذا المتجر؟ "
(شيرا) وهيَ تنظر حيث أشارت " وهل نحن أطفال؟ "
(جينا) بعبوس " وهل الأطفال فقط من يأكلون المُثلّجات؟ "
(شيرا) بسُخرية " حسنًا، لنشترِ المُثلّجات لهذه الطفلة "
(جينا) بغضب مُصطنع " أنتِ الطفلة "
(شيرا) وهيَ تضحك " أمزح معكِ فقط، هيّا لنذهب "
ابتهجت (جينا) وذهبتا معًا نحو ذلك المتجر ودخلتا..
اقتربت (جينا) من الموظف لتطلب المُثلّجات..
(جينا) " لو سمحت.. هل يمكن أن.. (أيان)؟ ماذا تفعل هنا؟ "
(أيان) بابتسامة " أهلًا (جينا)، أنا أعمل هنا بدوام جُزئي وقد بدأت للتوّ "
(جينا) بتلعثم " آه.. كنّا نريد شراء المُثلّجات "
(أيان) بتساؤل " أنتِ ومن؟ "
(جينا) وهيَ تُشير لـ(شيرا) التي كانت تقف في الزاوية " أنا و(شيرا) "
(شيرا) وهيَ تقترب من (جينا) ببطء " أشعر أنّ معدتي متوعّكة.. لا أرغب بتناول المُثلّجات الآن "
(جينا) " ما الذي حصل؟ كنتِ بخير قبل قليل "
نظر (أيان) نحو (شيرا) بنظرة لم تفهمها ما زاد من توترها..
(شيرا) " سأنتظركِ بالخارج "
وبالفعل خرجت (شيرا) وبقيت (جينا) لتشتري..
(أيان) بابتسامة " ما النّكهة التي تُفضّلينها؟ "
(جينا) " أممم.. الكرز "
(أيان) " لكِ هذا "
(جينا) وهيَ تمدّ له المال " تفضّل "
(أيان) وهوَ يعطيها الُمثلّجات " تفضّلي أنتِ أيضًا "
(جينا) بابتسامة " شكرًا "
(أيان) " العفو، زورينا ثانيةً "
أخذت المُثلّجات وهمّت بالذّهاب بعدها لكنّ فكرة ما راودتها فعادت أدراجها ووقفت أمام (أيان) مُجددًا..
(أيان) باستغراب " هل نسيتِ شيئًا؟ "
(جينا) " (أيان)، هل يمكنني أن أسألك شيئًا ما؟ "
...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!