المقعد رقم 7
المقعد رقم 7
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

المقعد رقم 7

في صبيحة يوم بارد من أيام الشتاء، وهي أكثر األيام سوءا. كنت مثلما أي صباح في محطة القطار كي أقصد عملي و لطالما مقتت أيام القّر، ليس اعتراضا على تدبير الله، بل تسخّطا على محطة "جوى" التي كانت تجذب أهالي المنطقة جميعا لتفّردها في المكان ومن أجل الجودة العالية أيضا،
غير أن اإلمتيازات تُضرب عرض الحائط أمام جشع الناس وأنانيتهم . فُيحشر أحدنا إلى آخر وتمتزج الروائح باختلاف أنواعها بعضها إلى بعض. فإذا هي عفونة لا تظهر سوى في نهار مثل هذا. و مما يزيد الطين بلّة صجيج األطفال .. و ليس أي ضجيج.
فكنت أقول في نفسي:» يا لحظي العاثر.. لن أعود إلى هنا أبدا مرة أخرى ما حييت . سأستقل سيارة أجرة، إنها أفضل و
أكثر راحة من هذا القطار البائس» ثم أذكر أنني بالكاد أستطيع توفير مأكلي و مشربي، فأدرك من هو البائس حقا.
ومن ضمن الخدمات الرفيعة في هذا القطار، هي أرقام المقاعد التي يحوز عليها الأهالي سنويا، وبما أن معظم الناس من الفقراء فإنهم يشتركون سنويا بمبلغ رمزي معلوم. لذلك إنه من الدرجة األولى فعلا، لكن في الوقت الراهن امتلئ بغير المسجلين من دون رقابة و تنظيم.
فألقيت بنظري على األماكن أتفحص أرقامها و أتمعن في أصحابها و إذ بي وقعت عيناي على صاحب المقعد رقم 7 ..
ّ إنه ذلك العجوز المترهل جالسا مكبا رأسه إلى الأرض وعيناه مخضلتان بالدموع. كان على هيئته المعتادة ، سروال أزرق
باهت و قميص رياضي كُتب عليه إسم "أحمد" و لعلّه هذا هو إسمه.
فجأة سمعت صوتا بجانبي يتكلم:
« أتنظر إلى ذلك العجوز
المسكين؟»
في البداية ظننت أنه لا يتحدث معي فوضع يده على كتفي و أعاد القول:
« سيدي أتنظر إلى ذلك العجوز؟»
عندها التفت إليه فإذا هو رجل يبتسم و يلقي التحية الصباحية التي رددتها عليه و أجبته على سؤاله:« نعم»
فاعتدل في جلسته و سأل بنبرة محترمة:« هل تريد معرفة قصته»
كنت أكره التطفل على حيوات الناس و أكره أكثر نقل الكلام و الثرثرة لكن حدتني رغبة معرفة حكاية هذا المسن، فأومأت برأسي موافقا إلى الرجل بجانبي ، فتنحنح و شرع يقص عليّ القصة:
« أظن أن الأمر حدث قبل حوالي 15 سنة ، عندها كانت أيام عطلة العيد و كما تعرف فإن حركة التنقل تكون في أشدها بسبب تداول الأهالي على زيارة أهاليهم، فتسود حالة من الفوضى و الذعر في وسط الناس. و بالفعل كان الأمر مثل هذا في ذلك اليوم، أو ربما أشد . في تلك الأيام لم يكن القطار مثلما هو اليوم لكن نظامه لم يتغير فكل شخص له رقم لمقعده و في ذلك المقعد رقم سبعة جلس العجوز فلان رفقة عائلته التي تضم زوجته و ابنه.
بدأت الرحلة بشكل عادي و حتى فيما بعد لم تطرأ مشكلة تعكر الأجواء الجيدة غير أنه عندما يتوقف القطار كي يغادر الناس تعم الفوضى و يسود الهيجان و التدافع بين الركاب. و في تلك اللحظة التي يغلب عليها الهرج و الضجيج كان ذلك العجوز و عائلته أيضا بصدد الخروج لكن على حين غرة انفصلت يد الصغير عن أبيه و ضاع في وسط الزحام فمنذ ذلك اليوم لم يظهر له ظل بالرغم من البحث عنه لسنوات.
الجميع فقد الأمل و أُغلقت القضية كما توقف البحث أيضا، لكن الشخص الوحيد الذي لم يستسلم هو الأب المسكين، فقد كان دائم السؤال في كل حدب و صوب بردا كان أو حرّا .
بعد ذلك أسلمت الروح زوجته، فتلك المسكينة نزل بها مرض رجع بها إلى ربها و لم يسعفها الزمان على معرفة الحقيقة ، فلقت حتفها و في قلبها مرض هو القهر.
و تواردت الأيام التي بقى فيها فلان مهموما و حزينا ، فلا معين له على أهوال الدنيا و أرزائها، و شيئا فشيئا تغيرت سحنته، فلا يراه الرائي إما باكيا مرة و هائما في أرض الله أخرى . حتى غزا الشيب رأسه و تخلّف على الزمان كثيرا إلا أنه لم يختلف عن الجلوس في ذلك المقعد مرة واحدة منذ سنين.
حاول العديد من الناس إيقافه و مع ذلك أبى الإنصات و طرد الجميع ، لذلك لا يكترث أحد به ، فقد ولّى عهده... هكذا يروه الأن»
فجأة توقف القطار معلنا عن الوصول ، فشكرت الرجل على حديثه معي و هممت بالخروج لكن دون سابق إنذار تعالت صرخات النساء داخل القطار:
« لقد مات فلان!!»
أسرعت إليه و تبعني بعض الرجال .. لقد وافاه الأجل حقا، ففعل الجميع ما يجب فعله و في غضون ساعة وصلت الشرطة إلى المكان. فوجدوا في جيبه ورقة قديمة صفراء كُتب عليها:
« سيكون والدي فخورا بي عندما أكبر.. لقد وعدته بهذا »
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.