الأوار | The fair
الأوار | The fair
جزء 2 من 2
وضع القراءة:

Part One - لعنةُ الفنانيين .

.
.
.
إِلى العيونِ التي تقرأ
قبلَ أن ندخلَ صلبَ الحكاية، دَعني أُخبركَ بشيءٍ واحِد
لقد طرقتَ بابَ الأُوار بدافعِ الفضول؛ رغبةً فِي أن تعرفَ ما يُخفيه خلفَهُ ،عليكَ أنّ تعلمَ بِأنَّ بعضَ الأبوابِ مَا إن تُفتَح لا تُغلقُ كما كانَت
فهل تعلمُ ما معنى الأُوار؟
الأُوارُ هو شدَّةُ الحرِّ
غيرَ أنَّني كثيرًا مَا تساءلتُ هل تشتعلُ الأرواحُ كما تشتعلُ الأرض؟ وهل تستطيعُ الحقيقةُ، إذا جاءت مُتأخِرة، أن تُخلِّفَ في النفسِ لهيبًا لا يُرى، لكنه يحرقُ الذكرياتِ، ويُبدِّلُ الوجوهَ ويجعلُ المرءَ يُخاصمُ ماضيه وهوَ يظنُّ أنَّهُ يُنصفُه
عزيزي القارئ...
لا أَرجُو أن تُغلقَ هذه الروايةَ وقد عرِفتَ جوابًا، بَل أرجُو أن تُغلقَها وأنتَ تحملُ سُؤالًا واحِدًا
أيُوجدُ الأُوارُ في النفسِ البَشرية؟ وإِن وُجِدَ، فهل يشتعلُ فِي داخلكَ دونَ أن تشعُر؟
«كلُّ إنسانٍ يحملُ في داخلهِ روايتين؛ إحداهُما عاشها والأخرى أقنعهُ العالمُ بأنَّهُ عاشها
والمأساةُ لا تبدأُ حينَ يختلطُ عليهِ الأمرُ، بَل حينَ يموتُ مُدافِعًا عَن الروايةِ الخطأ»
.
.
.
لَم يُطِل الترقُب ليخرُجَ أحدَ الرجالِ مِن بينِ العربات الخشبية، وأشارَ بيدهِ إشارةً قصِيرة وما هيَ إلا لحظاتٍ قبلَ أن تَنفجِرَ الأزِقة الضيقة بينمَا تَحتوِي رجالًا آخرِين، أمّا بالجهةِ الأُخرى أخذ بعضُهم مَواقعهُم فِي صمتٍ لم يدُم طويلًا كان كلُّ واحدٍ منهم يعرف موضعهُ قبلَ أن يصِل إليهِ، وأُعيدَ ذِكرُ مُهمتهِ مِرارًا حَتى حفِظها كمَا يحفظُ اسمهُ.
قالَ رئِيسُ حملتِهم مِنَ الجهةِ المُقابِلة وهوَ يخرجُ سكينًا قصيرة مِن غمدِها ومقلتَاهُ ترمقُ المُستعدِينَ لِلهجومِ أمامهُ
"انتهى الطَرِيق"
ألقى الآخرُ نظرةً عابِرة حولهُ، ثُم خلعَ قفازيهِ وألقاهُما فوقَ إِحدى البراميل الخشبِية المُتهالِكَة بجانِبهِ قبل أن يُجيبَ وقَد لمعَت عيناهُ بِحماسٍ ظاهِر
"إِذَن لا تُضيّع الوقت"
لم ينتظر الرَئيسُ أكثرَ مِن ذلِك ليُشير بيدهِ سامِحًا لرجلٍ خلفهُ بالتقدمِ نحوَ المُتعجرفِ أمامهُ كمَا يعتقِد
اندفعَ نحوهُ الأول، ولحِقَ بهِ الثانِي ثم ثالث.
كانَ أولهم أسرع مِن أن يُرى، لكنهُ لم يكُن أسرعَ مِن أن يُخطِئ
فمَا هيَ لحظاتٌ قبلَ أنّ يهجُم بسكينهِ حتى مالَ الاخرُ بجسدهِ قلِيلًا، فمرّت الضربة بمُحاذاةِ كتفهِ وقبلَ أن يستعيدَ الرجُل توازنهُ، قبضَ على معصمهِ ولوى ذِراعهُ حتى دوّى صوتُ المفصلِ في الزِقاق، ثُم دفعهُ نحوَ صاحِبهِ خلفهُ دونَ أن يلتفتَ إليهِ مرةً أُخرى
لم يسقُط الرجلُ الأول حتى كانَ الثانِي قد وَصلَ ليسقطَ فوقهُ أرضًا أمامَ أنظارٍ ساخِرة مِن الخَصم
لحظاتٌ قليلة جعلَت الثالِثَ يشتبكُ معهُ فـارتفعَ الكُوع، واستدارَ الجسَد، ثُم ارتطم وجهُ المُهاجمِ بالحائط الحجريّ ارتطامةً جعلت الدمَ ينسابُ مِن حاجبهِ وأنفهِ على الفور يليهِ صوتُ صُراخِهِ ألمًا
"انتبِه لِيمِينكَ!"
صرخَ أحدُ أتباعهِ ولكِنهُ كانَ قد انتبهَ قبلَ أن تُقالَ لهُ
استدارَ على عقبهِ، وتلقى الضربةَ بساعدهِ، ثُم أمسكَ ياقةَ خصمهِ بِكلتا يديهِ، وجرّه إليهِ بعنفٍ حتى تلامسَت جِباههُمَا
قال بصوتٍ خفيضٍ لم يسمعهُ غيرَ المَذعورِ أمامهُ
"كانَ بِإمكانكَ أن تُصيبني لستَ سيئًا كما هوَ حالُ رِفاقِكَ"
ثم طرحهُ أرضًا بضربهِ لرأسِهِ برأسهِ أيضًا أمامَ أنظارِ رئيسِ الحملة الذِي ما عادَ يدرِي أيُّ حلٍّ قَد يُجدِي ليُخرِجهُ مِن قبضةِ الثلعبَ المُتوحشَ أمامهُ فـ هوَ لَم يأخُذ بِالحُسبان أنّ هذا مَا ينتظرهُ حالمَا يبدأ الأمْر!
تراجعَ أحدُ رجالِ الجهةِ الأُخرى خطوةً وهوَ يرمقُ رِفاقهُ المُمددينَ على الأرضِ أمامهُ ليهمسَ لاهِثًا
"أيُّ شيطانٍ هذا؟"
ولسوءِ حظهِ كانَ قد سمعهُ ليلتفتَ إليهِ مُبتسمًا ابتسامةً قصِيرة لم تبلغَ عينيهِ
"تقدّم"
همسَ مادًا أصبعهُ يُشيرُ لهُ بِالتقدُم وكانَ ذِلِكَ كَافيًا ليظهرَ تردُد الرجُل رافِضًا التقدُم
ليقطعَ هوَ المسافةَ بينهُمَا في لحظاتٍ، فـ زادَ ارتباكُ خصمِهِ وأشهرَ مُسدَسهُ على عجلٍ، غيرَ أنّ الطلقةَ استقرَت فِي جدارِ البناءِ بعدمَا ضربَ الآخرُ ذِراعهُ قبلَ أن يَستقِيم تَصويبَهُ ليُمسكهُ مِن ياقتهِ مُقترِبًا منهُ.
دوّى صوتُ الرصاصِ فِي الحيّ المُجاوِر للمنطِقةِ المهجورَة التِي تجمعَ بِها الطرفان
ساد سكونٌ قصير.
ثُم قالَ أحدَ رجالِه بعدَ بُرهةٍ قاطِعًا شريطَ الصمتِ
الشُرطة!"
لَم يحتَج أحدٌ آخر إلى أن يُكرِرها
فقد بدأت الصُفاراتُ ترتفعُ مِن آخِرِ الشارِع، وتعالت أصواتُ الخيلِ فوقَ الحِجارة، يتبعُها صراخُ رِجالِ الأمن وهم يأمرونَ الجميعَ بِإلقاءِ السِلاح
نظر الواقِفَ بوجومٍ إلى آخِر رجلٍ كانَ يقفُ أمامهُ، ثُم تركَ ياقتهُ دونَ كلمةٍ واحِدة
التقطَ قُفازيهِ عَن البرمِيل، وارتداهُمَا بهدوءٍ، وقالَ وهوَ يبتعِدُ
"انصرِفوا"
تبِعهُ رِجالهُ دونَ سؤالٍ فـ غضبهُ لفشلِ المُهمة كانَ واضِحًا ،وبِالطبعِ لن يُضحِي أحدهُم بِوجههِ الجمِيل ليتحدثَ معهُ أثناءَ غضبهِ
بعدَ مُدةٍ بسِيطة تفرّقوا فِي الأزقةِ كما لو أنهم لم يكونوا هناكَ قط، ولم يبقَ في المكانِ سِوى حجارةً مُلطخة بِالدم، وبرميلٍ انقلبَ على جانبهِ إِثرَ الشِجار، وقف رجلٌ مِن الشُرطة يتأمَلُ آثارَ الاشتباكِ بصمتٍ، ثُم قالَ لِمَن معهُ
"ليسُوا قُطاعَ طُرقٍ..."
أدارَ ظهرَهُ لِلمكان، وأخذَ يُصدرُ أوامرهُ لرجالِه بتفقُّدِ الأزقةِ المُجاوِرة، بينمَا كانت الخيولُ تُبطئُ سيرَها شيئًا فَـشيئًا، وألسنةُ المَصابيحِ تتراقصُ فوقَ الجُدرانِ الحجريةِ وقد كشَفتْ ما خلّفهُ الاشتِباكُ مِن آثارٍ لَم تكُنْ بِحاجةٍ إِلى شاهدٍ يَروِيها.
.
.
.
وفِي مدينةٍ أُخرى، كانَ الصباحُ قد استقرَّ بهدوئهِ فوقَ البيوتِ ذاتِ الأسقفِ الحَجرِية المُرتفِعة، وانعكسَ ضوءُ الشمسِ على زجاجِ نافذةٍ صغيرةٍ تُطلُّ على حديقةٍ لم تُمسَّ منذُ أيام
داخلَ الغرفةِ، لَم يكُنْ يُسمعُ سِوى احتكاكِ الفحمِ بِالوَرق
توقفتِ اليدُ لحظةً، ثُم عادتْ تُكمِلُ الخطَّ الذِي انقطعَ قبلَ قليل، كأنَّ صاحبَتَها تَخشى أن تتركَ فراغًا واحدًا في مَوضعٍ لم يخترْهُ الرسمُ
كانتْ صورةٌ قديمةٌ تستندُ إلى طرفِ الطاوِلة ،رجلٌ يقفُ وإِلى جوارِهِ طفلةٌ لم تبلُغْ يومئِذٍ سِوى أعوامً قليلةً، تفاصيلُ الوجهِ لَم تكُن واضِحةً كما كانتْ يومَ التُقِطت، فقد نالَ مِنها الزمنُ، وبقيَ مِنها مَا يكفِي ليُبقيها حيّةً فِي الذاكِرة
امتدَّ طرفُ الورقةِ فوقَ الصورةِ قليلًا، وحينَ سحبتهُ انزلقتِ الصورةُ عَن الطاولةِ وسقطت
انحنتْ هيَ بِدورِها تَنوِي التِقاطِها
ومَا إن قَبَضتْ عَليها حتى انغرَستْ حافّتُها اليابِسةُ فِي إصبعِها
فـتراجعَتْ يدُها تلقائيًّا وظَهرتْ قطرةُ دمٍ صغيرةٌ سُرعانَ مَا لحِقتها أُخرى
نظَرَتْ إِليهَا لحظةً، ثُم مَسحتْها بطرفِ كُمِّها، وأعادَت الصورةَ إلى مكانِها
لم تُبدِّل الورقةَ ولم تُبدِّل القلم رُغمَ قطراتِ الدمِ التِي عبرَت طريقهَا نحوهُما بشكلٍ مُستمِر
واصَلَت الرسمَ وبقِيَت القطرةُ الحمراءُ تتركُ أثرًا خفيفًا كُلما تحرّكَ إصبعُها
بعدَ دقائقَ انفتحَ البابُ بهدوءٍوَدَخلتْ امرأةٌ تحملُ صينيّةً صغيرةً وضعتْها فوقَ الطاولةِ، ثُم وقعَ بصرُها على اليدِ التِي ترسُم
توقفتْ ترمقُ المشهدَ بصمتٍ تَام لِترفعَ الأخرى عينَيها إليهَا
دامَتِ النظرةُ بينهما لحظاتٍ قصيرةً لم يقطعْها سؤالٌ، ولم تُسمَعْ خِلالها كلمةٌ واحدة.
أخرَجَت المرأةُ مِن جيبِ مئزرِها قطعةَ قُماشٍ بيضاء، وضعَتها إلى جانبِ الطبقِ، ثُم استدَارتْ وغادَرتْ الغرفةَ كما دخلتْها
ظلَّ البابُ موارِبًا بعدَ خروجِها
أمَّا الجالسةُ، فقد سحبَت القُماشَ دونَ أن تنظُرَ إليهِ، ولفَّتْ بهِ إصبعَها برباطٍ خفيفٍ، ثُم عادتْ إلى اللوحةِ مِن جَديد، كمَا لو أنّ مَا حدثَ لَم يكُنْ أكثرَ مِن مُجردِ توقُّفٍ عابرٍ بينَ خطٍّ وآخَر.
مرّت ساعةٌ أخرى قبلَ أنّ يخفُتَ صوتُ القلمِ فوقَ الورقِ، وبقيتْ هيَ فِي مكانِها، لا تغيّرُ جلستهَا إِلا قليلًا انحدرَتْ بعضُ خصلاتِ شعرِها الأسودِ القصيرِ فوقَ جبِينها فـرفعَتها بطرفِ يدِها دونَ أن تُبعدَ عينيهَا عَن الرسمِ، ملامِحها ساكنةٌ على نحوٍ يصعبُ قِراءتُهُ؛ وجهٌ هادئٌ لا يكشفُ تعابِيرًا كَثِيرة وعينانِ يختلطُ فيهُما الأخضرُ بعمقٍ بُنيّ داكنٍ يشبهُ لونَ الخَرِيفِ
وحينَ انتهتْ من آخرِ خطوطِها، وضعتِ القلمَ جانبًا وبقِيتْ تنظرُ إلى الصورةِ القديمةِ أمامَها، رجلٌ يقفُ إلى جانبِ طفلةٍ صغيرة، ابتسامةٌ باهتةٌ لم يبقَ مِنها إلا أثرٌ خفيفٌ فوقَ الورق، مدّتْ يدَها إليها ثُم أعادَتها إلى مكانِها، وأغلَقَت الدفترَ بهدوءٍ لِترمقَ مَا حولَها بصمتٍ تام
لَم تكُنِ الغرفةُ واسِعة، لكِنها كانَت تحمِلُ ذلكَ الترتيبَ الصامتَ الذِي لا يأتِي مِن العِنايةِ بِالمَكان، بَل مِن اعتيادِ الوِحدَة.
كتبٌ مُصطفّةٌ فوقَ بعضِهَا، أوراقٌ كثيرةٌ تحملُ خطوطًا غيرَ مُكتمِلة بشكلٍ عشوائيّ، وأدواتٌ بقيتْ في مواضِعها دونَ أنّ تُلمَس.
وَمع اقترابِ المساءِ، توقفتْ عربةٌ أمامَ المنزل
وبعدَ وقتٍ قصير، دخلَ رجلٌ كانَ قد تجاوزَ السبعين، إلا أنَّ حضورهُ لَم يكُنْ يحملُ ضعفَ العمرِ بقدرِ مَا يحملُ أثرهُ ،اختلطَ شعرهُ البنيُّ بخيوطٍ رماديةٍ كثيرة، واستقرَّتْ في وجههِ ملامحُ رجلٍ حملَ مِنَ الأعوامِ أكثرَ مِمَا أظهَرَ.
مِقلتاهُ البُنيتانِ بقِيتا يَقِظتين، تُراقبانِ المكانَ تبحثانِ عَن شيءٍ قديمٍ بينَ تفاصيلهِ
استقبلتهُ إمراةٌ كانَت قَد وصلَت عقدَها السادِس
أدخلتهُ إلى غرفةِ الشابة وأغلقَت البابَ خلفهُما ليبقَى هوَ معها فقط
وقفَ عندَ مُنتصفِ الغُرفة لحظةً، ثُم تقدّم بِخطواتٍ ثابِتة حتى بلغَ المقعدَ المُقابِلَ لهَا
غاصَت عصاهُ فِي خشبِ الأرضِ مَع كُلِ خطوةٍ، قبلَ أن يخلعَ قُفازهُ بِبطءٍ ويضعهُ فوقَ الطاوِلةِ بينهُما، كانَت أصابعهُ النحيلة تعلوهَا عروقٌ بارِزةٌ، ولَم يبقَ فِي شعرهِ سِوى خيوطٍ بُنية تتشبثُ بالرماديّ الذِي غلبهُ مُنذ أعوامٍ
لم تنهض الشابةُ أمامهُ لاستقبالهِ
بَل بقِيَت جالسةً كمَا هيَ، ظهرُها مُستقِيم، وإِحدى ساقيهَا فوقَ الأُخرى، بينمَا استقرَت أصابعُها على طرفِ الورقةِ التي كانت ترسُمُ فوقهَا
انعكسَ الضوءُ على بشرتِها الشاحِبة، فبَدَت أكثرَ برودةً مِمَا اعتادهُ مَن يعرفُها، وزادَ شعرُها القصِيرُ التِصاقًا بِملامحِها حدّةً، فيمَا بقيَ ذلِكَ التناقضُ الغريب فِي عينيهَا حاضِرًا؛ نصفٌ بُنيّ، وآخرَ أخضر، نظرةٌ يصعبُ أن تمُرَ على أحدٍ دونَ أن تُعَلق فِي ذاكِرتِه.
ساد الصمتُ طويلًا، لَم يكُن صمتًا مُربِكًا، بَل صمتُ شخصَين يعرِفُ كلٌّ مِنهُما مِقدارَ ما يجهلهُ الآخر.
رفعَ رأسهُ أخيرًا ليهمسَ
"ثمانية وثمانون"
لم ترمُش وَظلّت عيناهَا تُحدِق فيهِ
"تسعُ سنواتٍ ومَا زلتَ ترفضُ استعمالَ اسمِيَ ،ارجُوا أنّ تكونَ قد بلغتَ هذَا العُمر وليسَ طريقةَ مُناداتِكَ لِي"
رَفعت كَفيهَا لجانِبِ رأسِها بِإنكار وهيَ تتحدثُ بنبرةٍ إعتمرَها بعضُ السُخرِية
"داخِلَ هذا المكانِ لا وجُودَ لِلأسماءِ"
"ومَن قالَ إنَنِي عُدت إليهِ؟"
حرّك عصاهُ مسافةً يَسِيرةً حتى استقرَت بمُحاذاةِ قدمهِ
"الرقمُ لا يُسحَب مِن صاحِبهِ"
ابتسَمَت ابتسامةً قصِيرة لَم تَبلُغ عَينيهَا
"إِذَن مَا زالت قيودكُم أطولَ مِنَ الجُدران"
لم يُجبهَا ليمُدّ يدهُ إلى الرسمِ أمامَهَا، فتوقفَت أنامِلُهَا فوقَ الورقةِ قبلَ أن تُلامِسُها يدهُ بلحظةٍ
"لا"
سَحبَ يدهُ فورًا يُعِيدُها إلى مكانِها فوقَ عصاهُ الخشَبِية
"مَا زلتِ لا تُحِبينَ أن يقتربَ أحدٌ مِن رُسومَاتكِ"
"ومَا زِلتَ تَتذكرُ أشياءً لا تَخصُكَ"
ارتسَمت على وجههِ تَجاعيدٌ أعمقَ مَع زفرةٍ خافِتة تسلَلت مِن ثغرهِ
"لو نسيتُها، لمَا كنتُ هُنا الآنَ"
تأملتهُ هيَ طويلًا ،كانَ الزمنُ قد أخذَ مِن جسدهِ الكثيرَ، لكنهُ أخفقَ فِي انتزاعِ هيبتُهُ، بَقِيَ صوتهُ ثابِتًا، ونظرتهُ حادّة، حتى بَدا الشيبَ فوقَ رأسهِ تفصيلًا لا أكثَر
تسائَلت وقَد غلبُها القلقُ لحدوثِ مَا لا تألفَهُ ولا تُحِبُهُ
"لِماذا جئتَ؟"
"لأنَّ الوقتَ انتهى ،وبدأَ العدُ التنازُليّ "
"وقتُ ماذا؟"
"الإنتِظار"
أخفَضَت بصرها إِلى الورقةِ ثُم أعادَت رفعهُ إليهِ
"كنتُ أظُنكَ بارِعًا فيهِ"
لِأول مرةٍ مُنذُ قدومِهِ مَالت زاوية فمهِ بإبتسامةٍ مَا لبِثَت أنّ اختفَت
"كنتُ"
عادَ الصمتُ بينهُما للحظاتٍ كانَت قصيرةً لبعضٍ وطويلةً للعبضِ الآخَر
"أتيتَ لِأجلِ رودان صَحيح؟"
هزَ رأسهُ مُطرِقًا بهِ لترمُقَ مِقلتاهُ الأرضَ بصمتٍ خالطَهُ الشرود
"نعم"
"أهوَ حَيّ؟"
لَم يغفَلُ المُسِنُ عَن الحماسِ والعجَلة التِي تَبِعَت السؤالَ خاصتَها
"هذا ليسَ السُؤال الذِي يجبُ أن تطرحِيهِ"
انعقدَ حاجِبَاها قليلًا
"إِذن مَا السُؤال؟"
"لِماذا اختاركِ أنتِ مِن بينِ الجَمِيع؟"
ثبَّتَت عيناهَا عليهِ دونَ أن يتغير وجهُها
"لا أعرِف"
"تكذِبِين"
لم تَرتفِع نبرةُ صوتهِ، لكِنها كانَت كافِية لِتقطعَ السُكون فِي الغُرفة
"بَل نَسِيت"
أطرقَ برأسهِ لحظةً، ثُم رفعهُ رامِقًا الجالِسَة بثباتٍ أمامهُ
"لِهذا جِئت"
"لتُعيدَ ذاكِرَتِي؟"
رفعَ عينيهِ إليهَا وقالَ بصوتٍ خافِت لكنهُ حاسِمٌ
"لا ،لِأتأكَد أنهَا لَم تعُد قبلَ أن أصِل"
سكَتَت ثُم مالَت قليلًا إلى الأمامِ وَأسندَت مِرفقيهَا إِلى رُكبَتيهَا
"إن كُنتَ تظنُ أن مُناداتِي بثمانِية وثمانين ستجعَلُني أعودُ كمَا كنتُ فَـأنتَ أكثرُ الناسِ سُوءًا فِي اختيارِ الكلِماتِ"
رفعَت طرفَ شفتِيها ابتسامةً بارِدة ،ليُجِيبَها بِحدةٍ تَزِيدُ عَن سابِقتِها دونَ إشاحةِ نظرهِ عنهَا
"ولِذلكَ اخترتُ الرَقم وليسَ الإسم ،لِأنَّ الإسمَ يخُصُكِ ،أمّا ثمانِية وثمانون ..فَـيخُصُ الوطن"
رَمقتهُ وقَد ضاقَت عيناهَا لِتنهضَ عَلى عجلٍ مُبتعِدةً عنهُ
"تركتُ المُنظمَة وسأُغادِرُ الوطن ،الرَقم لَم يعُد يَعنِيني!..."
قُتِلَ الهدوء بِالغُرفة بِصُراخِها ليتحولَ الحوارُ فِي مُحاولةٍ لِلتلاعبِ بِهَا إلى إجبارٍ لَم يُرِد أن يخوضهُ مَعها
"لكِنهُما لَن يُغادرانِكِ"
أطلَقت ضحكةً ساخِرة تَخلُو مِنَ المرحِ لتتحدثَ بغضبٍ واضِح
"إِن كنتَ تظُن أنّ تسعَ سنواتٍ لَم تكُن كافيةً لِأنسَى..."
قاطعَ حدِيثهَا بهدوءٍ يُناقِضُ الإنفعالَ أمامهُ
"أنتِ لَم تنسِي...
لا يزالُ كتفُكِ الأيسرُ ينخفضُ نِصفَ إصبعٍ كُلما هممتِ بِالنهوض ولا تزالُ يدُكِ اليُمنى أقربُ إلى خصركِ مِن اليُسرَى"
انعقدَ فكُها لتنظُرَ إِلى يديهَا سرِيعًا ثُم أعادتهُما إلى مكانِهمَا
"ولا تزالِينَ تَختارِينَ المِقعدَ الذِي يكشفُ البَابَ"
"تُراقِبُني؟ كيفَ تعرفُ هذهِ الأمور؟!"
"لِأنَنِي أنا مَن علّم ثمانِية وثمانِين تِلكَ العادَات"
لِأول مَرة مُنذ لِقاءِهمَا اضطربَت أنفاسُهَا اضطِرابًا خفيفًا دونَ أن تُجِيب
هزّت رأسَها بالنَفِي مِرارًا مُغمضةً عَينِيها
"لا ..لَن أعود!!"
احتكَ الكُرسيّ بِالأرض حَتى ارتدَ صداهُ
غطَت يداهَا أذنيهَا بِإضطرابٍ شَديد لِتمنعَ وصولَ صوتِ اصطدامِ الكرسيّ بِالأرض
"لِماذا جِئت؟ لقد... لقد مَحوتُ الماضِي فـ لِماذا جِئت؟ انصرِف فـحسب!"
لَم تَتغير ملامحهُ، ولم ترتفِع نبرتهُ بَل ابتسَم مُستفِزًا ومُستنزِفًا مشاعِرَ الهائِجةِ أمامهُ قدرَ الإمكَان
"جئتِ لِأرى إن كانَت ثمانِية وثمانُون مَا تزالُ قادِرةً على حملِ السِلاح..."
هزّت الأُخرى رأسُها يَنفِي الأمرَ بِإستِمرار لِتبتعِد عنهُ أكثرَ رافِضةً النظرَ لِلمُسدسِ الذِي وضِعَ عَلى الطاوِلةِ أمامُهَا
"أم أنّ أيلِث انتصرَت عليهَا أخيرًا"
أكملَ حديثهُ ليُزيحَ يدهُ عَن المُسدسِ الموضوعِ أمامهُما ،بُنيتاهُ رَمقَت تناقُضَ الأخضرِ والبُنيّ فِي مِقلتاهَا بِنظرةٍ عَجِزَ عقلُها المُضطرِبُ عَن تفسِيرِهَا
لتسقُطَ أرضًا فِي موضِعِها تبكِي بصمتٍ دونَ أنّ تُجِيب
سادَ الصمتُ للحظاتٍ بَسِيطة وَلم يبقَ فِي الغرفةِ سِوى أنفاسِها المتقطِّعة، تتصاعدُ ثُم تخبو رويدًا رويدًا، حتى خُيِّلَ أنَّ العاصِفةَ التِي اجتاحتْها قبلَ لحظاتٍ قد انطفأت غيرَ أنَّ ثِقلَها ظلَّ عالقًا فِي الهواءِ أمامهَا يُثقِلُ الجُدرانَ ويملأُ الفراغَ بينهُما
أنزلتْ يدَيها عن أُذنيها على مهلٍ، ومَسحتْ أثرَ الدموعِ بطرفِ كُمِّها دونَ أن ترفعَ بصرَها إليهِ، بينمَا بقيَ هوَ فِي موضعِه، لا يقتربُ منها ولا يُحاولُ أن يُهدِّئَ اضطِرابَها مُكتفيًا بالنظرِ إليها بصمتٍ طويل، مُنتظِرًا شيئًا لم يمُتْ بعد بَل تأخَّرَ عَن الظهور
استقامتْ ببطءٍ، واختلَّ توازنُها لِلحظةٍ قصيرةٍ سُرعانَ مَا أخفتْها بثباتٍ مُتشبِثَتةً بطرفِ السريرِ بِجانِبِها، ثُم مضتْ بخطواتٍ هادئةٍ نحوَ الطاولةِ حَتى توقَّفت أمامَ المسدسِ الموضوعِ فوقَها، أطبقتْ أصابعُها عليهِ بِدونِ عجلةٍ، قبلَ أن تستديرَ إليهِ وترفعَ فوهتَه حتى استقرَّت على جبينِه
بِرُغمِ اِرتعاشْ يدِها لم يتغيَّر وجهُها وَلم تُزِل المُسدس الموجهَ نحوَ جبهةِ الذِي لَم يُبدِ دهشةً ولم يُحرِّك ساكِنًا
عيناهُ ترمقُ خضراوِيتيهَا بهدوءٍ
بصوتٍ خافتٍ تسلَلت الكلِماتِ مِن ثِغرِها، إلا أنَّ هدوءَه كانَ أشدَّ وطأةً مِن أيِّ صُراخ
"السِلاحُ الذِي يحتاجُ إلى رصاصةٍ لا يصلحُ لِمَن يريدُ استعادتِي"
سادَ بينهُما سكونٌ أطولَ مِن سابِقهِ ومَا يزال سِلاح الخطرِ موجهًا نحوهُ
ارتفعَت زاويةُ فمِه بابتسامةٍ بالكادِ تُرى ،وفي اللحظةِ التِي أدركَ فِيها أنّ جُمَّ تركِيزِها عَلى المُسدسِ ولا فرصةً لهَا لِمُقاومةِ مَا يَنوِي فِعلهُ، تحرَّك
لِتنطلِقَ قبضتُه نحوَ منتصفِ بطنِها بضربةٍ خاطِفة وقَصِيرَة لكِنها بلغتْ مِن القسوةِ مَا جعلَ الهواءَ ينحبسُ فِي صدرِها دُفعةً واحِدة
انقبضت عضلاتُها غريزيًّا قبلَ أن تستقبلَ الضربةَ كاملةً، فتراجعَ جسدُها مقدارَ نصفِ خطوة، غيرَ أنَّ يدَها ظلَّت ثابتةً، ولم تُغادر فوهةُ المسدسِ موضعَها
ظلَّت مُصوَّبةً إلى رأسِه بِعنادٍ يرفُض التراجُع
"الذاكرةُ قد تخونُ صاحبَها أمَّا الجسد فـ يَستحِيل أنّ يَنسَى"
طالَ الصمتُ بينهما حتى بدا وكأنَّ الغرفةَ بأسرِها تُصغي إلى صمتٍ لا يمتلكُ صوتًا
بهدوءٍ لا يقلُّ برودةً عَن نظرتِها أنزلت المُسدس
لَم يكُن استِسلامًا ولا خوفًا
بَل لِأنَّها لم تعُد ترى فِي تصويبِه نحوهُ مَا يستحقُّ البقاءَ
أعادَ المُسن أمامهَا ارتداءَ قفازِه ببطءٍ وسوَّى أطرافَه بعنايةٍ ثم نهضَ مُستدِيرًا قاصِدًا البابَ
وحينَ بلغَتْ يدُه المقبض، توقَّف مُكتفيًا بِبضعِ كلماتٍ
"بِالمُناسبة ،فالِين لم يُسامحكِ"
أعقبَ كلِماتَه صمتٌ وجيز لعلّهُ يلتمِسُ ردًا يُفرحُ قلبَ شخصٍ مُنتظِر
"ولَم أطلُبْ منهُ ذلِك"
فتحَ البابَ وغادرَ دونَ أن يُزيد حديثًا عَلى مَا سمِعتهُ اذناهُ
وأُغلقَ خلفَه بهدوءٍفعادتِ الغرفةُ إلى سكونِها الأوَّل، كأنَّ شيئًا لم يعبُرْها مُبعثِرًا ثابتهَا قبلَ لحظاتٍ قَصِيرة
ظلَّت الأخرى واقفةً في مكانِها برهةً قبلَ أن ينهارَ جسدُها على الأرضِ بينمَا تُحدِّقُ في البابِ المُغلقِ دونَ أن تتحرَّكَ، وضعَت المُسدسَ فوقَ الطاولةِ برفقٍ ونهضَت مُتجهةً نحوَ أحدِ الأدراجِ القديمةِ خلفَ البابِ المُغلق
سَحبَتْ منهُ دفترًا صغيرًا علاهُ غبارٌ خفيف كانَت قَد مسحتهُ عَن غِلافِهِ بإبهامِها قبلَ أن تفتحَهُ
لم يحتوِ رسومًا كمَا كانَ حالُ مَا بَقِيَ مِن دفاتِرِهَا
احتوَى أسماءً لا تتشابهُ وإلى جانبِ كُلِّ اسمٍ تاريخٌ يختلفُ عَن التاريخِ الذِي يسبقهُ ومُلاحظاتٌ مُقتضِبة لا يجمعُها رابِطًا ظاهِر تخصُّ كُل شخصٍ كانَ قد سُجِّل اسمهُ
وتحتَ بعضِها خطوطٌ سوداءُ مُستقِيمة وملاحظَاتٌ بِـلُغةٍ ورموزٍ لَم تكُن مألوفةً عَلى أهلِ وسُكانِ بروج
توقَّفت أناملُها عندَ الاسمِ الأخير، كانَ الاسمَ الوحيدَ الذِي لم يحتوِي معلوماتٍ كَثِيرة كـسابِقاتهِ مِنَ الأسماءِ كمَا أنّ خطًّ أحمرًا استوطنَ واعتبرَ مكانهُ اسفلَ الإسمِ المُسَجل
ظلَّت تُحدِّقُ فيهِ زمنًا، دونَ أن تُحرِّكَ الصفحة أو تُبدِّلَ ملامِحَها
لحظاتٌ بَسِيطة وأعادَت الدفتَر إلى مكانهِ ولكِن آخرَ كانَ قد شدَّ انظارَهَا نحوهُ
سحبتهُ مِن بينِ الكتبِ والأقلام التِي حاصرتهُ مِن جميعِ الجِهَات
كانَ دفترَ مُذكراتهَا
تمَّ هجرَهُ مُنذُ زمنٍ بِالفِعل
-غُبار-
لَم أَعرِفْ كم مضى مُنذُ سَقَطنا
في البِدايةِ حاولتُ أن أَعُدَّ الوقتَ، لا لأنّني كنتُ أُؤمنُ بأنَّ معرفةَ عددِ الدقائقِ ستمنحُنا نجاةً، بَل لِأنَّ الإنسانَ حينَ تُنتَزعُ منهُ السيطرةُ عن كلِّ شيءٍ، يتعلَّقُ بأصغرِ الأشياءِ التي ما زالت قابلةً للقياس. كانتِ الثواني آخرَ ما أستطيعُ الإمساكَ به، كأنَّها الدليلُ الوحيدُ على أنَّ العالمَ لم يَختفِ تمامًا خلفَ ذلك السكونِ الثقيل. لكنَّ الأرقامَ فقدتْ معناها بعدَ وقتٍ لم أعدْ أُدركُ طوله؛ لم يبقَ منها سِوى أشكالٍ فارغةٍ لا تُشيرُ إلى شيء
بقيَ المطر كمَا بقيَ ذلِكَ الصوتُ الرَتِيبُ الذِي يَهبطُ فوقنا بِلا رحمةٍ، والبردُ الذي تسلَّلَ إلى أطرافِنا ببطءٍ حتى صارَ أقربَ إلى جزءٍ مِن أجسادِنا، وأنفاسُنا التِي كانت ترتطمُ بالجُدرانِ التُرابيّةِ لِلحفرةِ الضيّقة، فتعودُ إلينا كأنَّ المكانَ يرفضُ أن يتركَ لنا حتى صدى وجودِنا
كانت الحفرةُ أضيقَ مِمّا ينبغِي لِشخصَين
ليسَ بسببِ مساحتِها وحدَها، بَل بسببِ كلِّ ما حملَهُ كلٌّ مِنّا إليها؛ سنواتٌ مِن الصمت، وأسئلةً مؤجَّلة، وأشياءَ بقيتْ عالقةً بينَ الكلماتِ ولم تجدْ طريقَها إلى النُطقِ ،كانَ القربُ بيننا إجباريًّا لكنَّ المسافةَ التِي لا تُرى كانتْ أعمقَ مِن أيِّ جِدارِ طين قد يُحيط بِنا
جلسَ فالينُ فِي الجهةِ المُقابلة، مُسنِدًا ظهرَهُ إلى الترابِ الرَطِب، وساقاهُ ممدُودتانِ أمامَهُ بقدرِ ما تسمحُ بهِ المساحة كمَا أنّ شكلهُ المُبعثَر كانَ سهلَ المُلاحظة كانَ معطفُهُ مُمزَّقًا عندَ الكتِف، والطينُ عالقًا بأطرافِه، وخُصلاتُ شعرِه التصقتْ بجبهتِه مِن أثرِ المطر، ومعَ ذلكَ لم يُحاولْ إصلاحَ شيءٍ مِن بعثرتِهِ
لَم يكُنْ هذا هوَ فالِين الذِي أعرفُه
ذلِكَ الذي لا يسمحُ للفوضى أن تتركَ أثرًا عليه، الذي كانَ يرتّبُ كلَّ شيءٍ حولَهُ، حتى غضبَهُ، حتى انفعالاتِه التي كانَ يُخفيها خلفَ ذلكَ الهدوءِ البارِد
كانَ صمتُهُ دائمًا يبدو كأنَّهُ قرارٌ اتُّخِذَ مُسبقًا، وكأنَّ كلَّ حركةٍ منهُ محسوبةٌ قبلَ أن تحدث
أمّا الآنَ، فكانَ ينظرُ إلى الأعلى فقط
إلى فتحةٍ ضيّقةٍ بينَ الأغصانِ لا تكفي لرؤيةِ السماءِ كاملة
أخرجَ ساعتَهُ المُبتلى مِن جيبِ معطفِه، فتحَ غطاءَها وبقيَ يُحدِّقُ فيها لثوانٍ ،كانَ واضِحًا أنَّها تعطَلَت نتيجةً لِتعرُضِها لقدرٍ كبيرٍ مِنَ الماءِ ولكِنَني لم أستطعْ معرفةَ إن كانَ يبحثُ عن الوقتِ أم عن شيءٍ آخرَ ضاعَ معهُ
أغلقَها بهدوءٍ وأعادَها إلى مكانِها، دونَ أن يتأكَّدَ مِن شيء أو ينظُرَ إليهَا مرةً أُخرى
لم أسألْهُ لِماذا فعلَ ذلِك ولم يسألْني لماذا انتبهتُ ،هذهِ هيَ طبيعةُ علاقتِنَا نبتُر الكلِماتِ والأحرُفَ قبلَ خرُرجِها طمعًا بِأنّ لا يُصبِحَ أحدُنا المُبادِر الأول والمُضحِي الأكبَر لِأجل الطرفِ الآخر
نزعتُ قطعةَ القماشِ عن يدي التِي كانَت قد جُرِحَت سلفًا ، كانَ الدمُ قد اختلطَ بالماءِ حتى غدَا لونُها أكثرَ قتامةً، والجرحُ لم يكنْ عميقًا، لكنَّهُ كانَ يحتاجُ إلى عنايةٍ لا أملكُ رغبةً في منحِها لهُ، اعتدتُ تجاهلَ الألمِ قبلَ أن يُصبحَ جديرًا بالاهتمامِ حقًا
سمعتُ حركتَهُ وهوَ يُعدِلُ مِن جلستهِ قُبالتِي قبلَ أن يتكلَّم
"أعطِني يدَكِ"
لَم أنظرْ إليهِ ولم أكُن مُستعِدةً لِأمنحهُ إجابةً ولكِن إصرارهُ ومدَّه ليدهِ أمامِيَ أجبرانِي عَلى الإجابةِ
"لستُ بِحاجةٍ إِلى ذلِكَ"
سادَ صمتٌ قصيرٌ بَيننا لينظُر ليَ بِسُخريةٍ قبلَ أنّ يُعاوِدَ الحدِيث
"لم أسألْكِ إن كُنتِ بِحاجة"
رفعتُ عينيَّ إليهِ وكانَ الصبرُ قد وجدَ مخرجهِ لينفُذَ لدَيّ ،لقد كنتُ سريعةَ الغضبِ بقدرِ هدوئِهِ المُزعِج
كانَ صوتهُ هادئًا أثناءَ فُقدانِيَ لِصبرِيَ، وهذا بالذاتِ ما جعلهُ أكثرَ ثِقلًا ،غضبُهُ وخيبَتُهُ كانَا واضِحَين مِن خِلالِ ذلِكَ، يمكنُ مواجهتُهُ بِالنسبةِ لِي ، لكنَّ هدوءَهُ كانَ أشبهَ ببابٍ مغلقٍ لا تعرفُ مَا خلفَه ولا تعرفُ بِـأيِّ هاوِيةٍ أُلقِي مُفتاحهُ.
مدَّ يدَهُ نحويَ أكثَر لِتتحولَ أنظارِيَ لهُ
كانَتْ اليدَ نفسَها التِي رأيتُها تحملُ السلاحَ بِلا تردُّدٍ، وتدفعُ الخطرَ بعيدًا وتمسِكُ بيَ قبلَ أن أسقطَ في لحظاتٍ لم يكُنْ فيها أحدٌ سِواها قريبًا
لكِنَّها الآنَ لم تكنْ تطلبُ شيئًا سِوى أن أضعَ يدي فيها
"أنا بِخير"
لم يبتسِمْ ولم يُجادل لِيُنزِلَ يدَهُ ببطءٍ
"أنتِ تقولينَ ذلِكَ دائمًا"
نظرتُ إلى جُرحِي بينمَا كانَ هوَ ينظُرُ لِي
"لأنَّها الحقيقة"
"لا"
كانَت كلِمةً واحِدة، لكنَّها جعلتْني أرفعُ عينيَّ إليهِ ليُضيفَ
"لأنَّكِ اعتدتِ تصديقَها بينمَا هيَ مُجردُ كِذبةٍ تَخشِينَ الإعتِرافَ بِأنَّها كَذِبة"
لم أُجِبهُ لأنَّ بعضَ الإجاباتِ لا تُقالُ خوفًا مِن أن تكشفَ مِقدارَ ما حاولنا إخفاءَهُ عَن الطرفِ الآخر
عادَ الصمتُ بيننا
بينمَا في الخارجِ كانَ المطرُ يَطرقُ الأرضَ بعنفٍ ليتسللَ بعضهُ إلى داخِلِ الحُفرة حيثُ نحنُ والبعضُ الآخر يجدُ سبيلهُ ليُلامِس الأرضَ الصلبةَ، وأصواتُ البحثِ عَنا تتبدَّلُ بينَ اقترابٍ بَسِيط وابتعاد، كانَ أيُّ شخصٍ آخرَ سيحاولُ ملءَ ذلِكَ الفراغِ بالكلمات إلى أن يَحينَ موعِد الهربِ مِن هذا الثُقل ، سيبحثُ عن حديثٍ عابرٍ يُنسيهِ ثِقلَ المَكان وَوحشتِهِ
لكِنَّنا لم نكنْ شخصَينِ يجهلانِ ما يقولانْ ،كُنّا شخصَينِ يعرفانِ تمامًا ما يجبُ قولُه
ولِهذا اخترنا الصمتَ لِأنّ مَا سنقولهُ لَن يُرضِيَ أيَّ أحدٍ مِنَا
خفضَ فالِين رأسَهُ قليلًا رامِقًا أنامِلهُ التِي تُلامِسُ بعضُها البَعض
"هل تذكُرينَ يومَ ضللتِ الطريق؟"
لم أفهمْ سببَ السُؤال ولم أتوقعَ مِنهُ أن يُحاوِلَ كسرَ الصمتِ الحاضِرِ بَيننا
"أيَّ يوم؟"
نظرَ إليَّ بهدوءٍ
"الأوَّل"
سكتُّ ،كنتُ أتذكَّرُه لكنَّني لم أُرِدْ للذكرى أن تخرجَ من مكانِها ولَم أُرِد أنّ أتحدثَ معهُ أكثرَ
"كُنتِ غاضِبةً مِنّي"
"كثِيرًا!"
مرَّ شيءٌ خافتٌ على ملامحِه، لم يكنْ ابتسامةً أو رُبمَا كانَ ابتسامةَ انكِسارٍ لِذكرى قديمة عبرتْ ناثِرَةً عِطرَها ثُمَّ اختفَت
"أعرِف"
ثمَّ نظرَ أمامَهُ بشرودٍ واضِح
"لكنَّكِ عدتِ"
توقَّفتْ أصابعي عن شدِّ القماشِ حولَ يدي لأنَّني فهمتُ مَا يقصِدَهُ
لم يكنْ يتحدَّثُ عن ذلكَ اليوم ،كانَ يتحدَّثُ عن كلِّ مرَّةٍ سبقتْه، وكُلِّ مرَّةٍ جاءتْ بعدَه، عن كُلِّ طريقٍ ابتعدتُ فيه، ثمَّ وجدتُ نفسيَ أعودُ إليهِ رُغمًا عنِي ورُغمًا كلِّ شيءٍ
قالَ بصوتٍ أخفض وزرقاوِيتيهِ لَمعَت إِثرَ خروجِ مَا لَم يُرِد خروجهُ ،ابتسمَ بِسُخريةٍ
"لا أعرفُ متى توقَّفتِ عَن العودة"
هذهِ المرَّةَ لم أُبعِدْ نظري بقيتُ أحدِّقُ فيهِ لِدقائِقَ طويلةً، لم يكنْ يبحثُ عن تَفسير وهذا ما جعلَ الأمرَ أقسى كونهُ اعترفَ بِالحقيقةِ دونَ رغبةٍ لِمعرفةِ الطريقِ الذِي أوصلَ كِلانا لِهذهِ الحَقِيقة
"لِكنكَ وجدتنِي الآنَ"
كانَت كلِماتيَ تِلكَ أشبهَ بوصولِ العِلاجِ إلى المريض بعدَ أن شُفيَ مِن عِلَتِهِ
هزَّ رأسَه مِرارًا ليتصطِدمَ بِجدارِ الطينِ خلفهُ وقَد خانتهُ زرقاوِيتيهِ لتفيضَا بِبحرِهِمَا أخِيرًا
"نَعم ..وجدتُكِ أخِيرًا ،لكِن..وجدتُكِ بعدَ أن فقدتُكِ"
أسنانهُ ظهرَت وهيَ تعضُ شفتهُ السُفلِية بِأسفٍ واضِحٍ
لَم أُدرِك وقتهَا مَاذا أفعل
خضراوِيتايَ ترمُقانِ لهُ مُدمرًا ومُنهارًا لِأولِ مرةً
لم أقوَ عَلى الحركةِ بسببِ البردِ الذِي جمَّد أطرافيَ بِقسوةٍ ،ولم أقوَ عَلى التحدُثِ ..انعقدَ لِسانيَ تمامًا رافِضًا الإفصاحَ عَن مَا خالَج عقلِيّ بِشدَّةٍ
بعدَ وقتٍ طَويل نهضتُ
نهضتُ إِليهِ دونَ معرفةِ السبيلَ لِتهدِئةِ حالِهِ
لم يتحدَث هوَ ،وأنا لَم أتحدَث جلستُ بِالقربِ منهُ فقط ،أنظُر لِلجرُوحِ التِي اعتلَت يداهُ أثناءَ مُحاولاتِهِ لِلخروجِ مِنَ الحُفرة
أرادَ الإطمِئنانَ عَلى خدشٍ بَسيط فِي يدي بَينما الخدوش والجرُوح استعمَرَت كِلتا يداهُ.
-غُبار-
أعادَت الدفترَ إلى مكانهِ، وأغلقت الدرج ببطءٍ تُعيدُ معهُ شيئًا حاولت دفنهُ لسنواتٍ طوِيلة، حدّقَت بهِ لِلمرةِ الأخِيرة قبلَ أن تستديرَ نحوَ المرآةِ المُقابِلة لهَا
وقفَت أمامها بصمتٍ، تتأمّل انعكاسَ وجهٍ لم تعُد تعرفهُ كما كان، مرَّرت أصابِعهَا فوقَ الموضعِ الذِي أصابته يدُ المُسِن، لا بحثًا عَن الألم بَل عن الذِكرى التي عادَت معهُ
تسعُ سنواتٍ مرّت، ومع ذلِك لم يُخطئ فِي تذكُرِ تحرُكاتِ جسدِهَا
أدركَ أنّ جسدُها لا يزالُ يحفظُ مَا حاولَ عقلُها نسيانهُ خفضت يدها ببطء، وهمسَت فِي سِرِّها
"حتى نقاطُ ضعفِي... مَا زلتَ تتذكرُها يَا لكَ مِن عجوزٍ بَغِيض بِحق"
-الأُوار-
وَلِأولِ مرةٍ مُنذ تسعِ أعوامٍ، لَم تُدرِك الواقفةَ أمامَ المِرآةِ أكانَت تنظُرُ إلى امرأةٍ نَجت... أم إلى رقمٍ ظنّت أنها دفنتهُ؟
.
3 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.