وضع القراءة:

قَصْرُ الْغُرابِ

كانت السماء فوق قصر الغراب صافيةً بشكلٍ مريب، غيومٌ متشعبةٌ تتناثر فيها ككُتلٍ قطنيةٍ متفرقة، وريحٌ خفيفةٌ تعبر المرتفعات لتداعب أغصان النبات المطلّ على شرفة الأميرة. كانت ميا تغرق في نومٍ عميق، شعرها الأسود الطويل متمرّدٌ منثورٌ في أرجاء الفراش، يمتدُّ على الوسادة كخيوطِ ليلٍ داكن، لا يقوى أحدٌ على إيقاظها إلا انعكاس الشمس المزعج الذي يتسلل من جناح ميكايل كل صباح، يوقظها دون استثناء وكأنه طقسٌ يومي لا يكتمل الصباح بدونه.
فتحت عينيها ببطء، وتسلل الضوء إلى حدقتيها، فارتسمت على شفتيها ضحكةٌ غبية لا إرادية. لقد اعتادت هذا الوجود المزعج.
“ميكايل” تمتمت بصوتٍ مبحوحٍ يملؤه النعاس، “أقسم أنني سأطلب من الحراس أن يبرحوك ضرباً إذا لم تتوقف عن التلصص عليّ، ماذا ستقول للجنرال ريك حين يعرف أنك تقضي وقتك معلقاً على شرفتي عوضاً عن التدريب؟”
كان ميكايل لا يزال جالساً على حافة السور الحجري، يداعب بإصبعه حافة درعه المعدني. لم يلتفت إليها، بل ظل يراقب أسراب الطيور البعيدة.
“الجنرال ريك مشغولٌ بفرز المؤن، يا أميرة. ثم إن القصر ميتٌ تماماً، أفضّل مراقبتكِ وأنتِ تحاولين خوض معارك مع مخداتك على أن أجلس مع زملائي المملين.”
ضحكت ميا ونهضت متجهة نحو الإناء النحاسي الذي أعدته الخادمات لها. كانت حركاتُها عفوية، لا تحملُ كبرياء الملوك، بل خفة الغزلان. قالت وهي تغسل وجهها بماءٍ باردٍ أنعش روحها: “أنتَ أكثر شخصٍ مسلٍ في هذا القصر الكئيب. لكن صدقني، لو استطعتَ الدخول، لبارزتُك حتى تندم على إزعاجي.”
صمت ميكايل للحظة، ثم فرد جناحيه الحديديين، المندمجين ببراعةٍ تكنولوجية مع درعه المطور. كان بريقهما يلمع تحت ضوء الشمس كأنهما قطعةٌ من السماء. قال بنبرةٍ خفتت فيها روح الدعابة: “لو لم يُوضع هذا الحاجز الضوئي، أو لو لم تولدي مسخّرة ظلال، لربما أخذتُكِ في رحلةٍ فوق السحب.”
توقفت ميا عن تجفيف وجهها، ونظرت إليه نظرةً عميقةً خلت من الابتسامة. قالت بهدوءٍ يكسره مرارة الواقع: “ميكايل، ميكايل، هذه هي الحياة. أناسٌ أبرياء يُحاسَبون على ذنب أجدادهم الذين لم يعاصروهم، وأناسٌ آخرون يعيشون على فتاتِ السلام. ربما في حياةٍ أخرى، نلتقي بعيداً عن هذه الأسوار.”
لم يجد ما يرد به، بل ألقى بنفسه في الفراغ، ليحلّق ببراعةٍ نحو المعسكر الخارجي. بقيت ميا تراقب أثره حتى اختفى في الأفق، مبتعداً عن قصر الغراب الجميل الذي سكنه أجدادها، قبل أن تحوله “حرب النار السوداء” إلى سجنٍ منبوذ.
دخلت روجي في تلك اللحظة، تحملُ ملابس التدريب.
“سيدتي، هل أنتِ مستيقظة بالفعل؟ أم أنه أيقظكِ مرة أخرى؟” قالت روجي وهي تبتسم بخبث.
ردت ميا وهي تأخذ ملابسها من روجي: “روجي، ألا تملّين؟”
تنهدت روجي وهي تتحرك بعفوية حول الغرفة: “سيدتي، ألا تلاحظين شيئاً؟ إنه لا يأتي ليراقب تدريبات الجنود، إنه يأتي ليراقبكِ أنتِ. يبدو أن أحدهم واقعٌ في حبك.”
ضحكت مون بسخريةٍ خفيفة وهي تربط حزام سيفها الجلدي بإحكام: “يحبني؟ على ماذا؟ على زنزانتي الضخمة؟ على حاجزي الضوئي الذي يحرقُ يدي إذا لمسته؟ أنا لا أملكُ شيئاً لأعطيه يا روجي، سوى سيفٍ ودمٍ ودمار.”
أنهت ربط حزامها، نظرت في المرآة، كانت تبدو كمحاربةٍ تائهة في قصرٍ منسي. “على أي حال، هل تعرفين أين أمي؟”
“جلالتها في قاعة العرش منذ وقتٍ مبكر. لم تلمس فطورها، وتبدو… مضطربة.”
تغيرت ملامح ميا، فلقد كانت جيشا لا تهتزّ بسهولة. خفق قلبها قلقاً، واتجهت بخطواتٍ واسعة نحو قاعة العرش، تاركةً روجي تحاول اللحاق بها. لم يكن الممرُ طويلاً، لكن خطوات مون كانت ثقيلةً بالهواجس. وقفت ميا أمام ذلك الباب الخشبي العملاق تنتظر من الحراس فتحه لها. فور دخولها رأت جيشا تقف عند نوافذ القاعة، ظهرها للداخل، وكأنها تحمل حملاً أكبر من الكون كله.
“أمي؟”
استدارت جيشا. كانت ابتسامتها باهتة، كأنها قناعٌ سقط نصفه. “صغيرتي، ظننتكِ ما زلتِ نائمة.”
“روجي أخبرتني أنكِ لم تتناولي فطوركِ. هل حدث شيء؟”
تجاهلت جيشا السؤال، ولوّحت بيدها للمستشارين مشيرةً لهم بالانصراف. انحنى الجنرال إيزك، الرجل الذي يحمل في وجهه ندوب حروبٍ لم تعرفها مون، وقال بصوتٍ وقور: “سأفعل اللازم يا مولاتي، لا تقلقي.”
بمجرد خروجهم، جلست جيشا على عرشها الحديدي، وكأن جسدها قد فقد عموده الفقري فجأة.
“أمي، ممَّ أنتِ مرتبكة؟”
تنهدت جيشا، نظرت ليديها اللتين كانتا ترتجفان بخفة: “شعرتُ بطاقة تسخيرٍ الليلة الماضية. ليست مجرد طاقة، كانت… مألوفة، مهيبة، مليئة بكرهٍ لم أعهده.”
تجمدت الدماء في عروق ميا: “هل مات أحد؟”
“سبعة جنود، وأربعة وعشرون مسخّر ظلال، في معسكر القمّة.”
كان الصمت في القاعة ثقيلاً، كأن الجدران نفسها بدأت تضيق عليهم. فجأة، شعرت ميا برغبةٍ عارمة في الحركة، في ضرب شيءٍ ما، في إفراغ هذا الغضب الذي ينهش صدرها.
“عليّ أن أتدرب، روجي، اتبعيني!”
خرجت وهي غاضبة لدرجة لو كانت تنيناً لأحرقت القصر بلهيب غضبها، وفي غمضة عين كانت بالفعل في ساحة التدريب. انتشرت طاقتها السلبية في أرجاء المكان لدرجة أن الفرسان سحبوا سيوفهم فور حضورها:
“هاجموني! جميعكم!”
رغم كون الفرسان من النخبة في القصر، إلا أن ميا تتحرك كالبرق، تُسقطهم واحداً تلو الآخر بسهولة من دون ذرة سحر. فرغم أن جسدها ودمها يمكنهما تسخير الظلال، إلا أن والدتها قد منعت عنها أي نوع من أنواع التسخير، لهذا أجبرت نفسها على أن تتقن فنون المبارزة واستخدام السيف حتى لا تشعر أنها مجرد ابنة أميرة مدللة.
تمركزت روجي في مكانها لبضع دقائق بعد أن شاهدت صديقتها العزيزة تغادر القاعة بخطواتٍ مندفعة: “أعتقد أنني لن ألحق بها.. لا أريد أن أموت اليوم!” قالت وهي ترسم ملامح خوف مبالغ فيها على وجهها، تنظر نحو الأميرة جيشا وكأنها تستجدي منها الإعفاء من مرافقة ميا.
ابتسمت جيشا ابتسامةً باهتة، كانت عيناها لا تزالان معلقتين بذاكرة تلك الطاقة السوداء التي شعرت بها ليلاً. أشارت بيدها لروجي أن تقترب. “اتركيها تُخرج الغضب الذي بداخلها، وبعد أن تنتهي من ضرب فرسان القصر، اصنعي لها بعض الشاي، سوف يهدأ أعصابها.”
نهضت جيشا ببطءٍ من على ذلك العرش الذي لم يشهد ملكاً منذ سنوات طويلة، متجهةً نحو زاويةٍ مهجورةٍ في قاعة العرش، حيث تستند لوحةٌ عملاقةٌ مغطاة بقطعة قماشٍ بيضاء قديمة شاحبة. وقفت الأميرة أمامها، ووضعت يدها على الحافة الخشنة للقماش، بينما ظلت روجي واقفةً خلفها، تحبس أنفاسها، فهي تعلم أن هذه اللوحة هي الشيء الوحيد الذي أتى مع الأميرة عندما أتت لهذا القصر، لوحة غير مكتملة الرسم، لكنها تحمل معنى أعمق من أي شيء آخر داخل هذه القاعة.
“جلالتك..” همست روجي بصوتٍ خافت، “أعتذر عن السؤال المتطفل، لكن، ألم تفكري يوماً في إنهائها؟”
لم ترد جيشا، بل سحبت القماش ببطء، ليكشف عن وجهٍ مرسومٍ بدقةٍ تجعله يبدو أقرب لصورةٍ حقيقية منه إلى لوحة، دقة تحمل شيئاً من الرهبة في واقعيتها؛ ملامح حادة تحمل النبل والوقار، بيضاء البشرة بعيون زرقاء لامعة كالقمر وشعر أسود مصفف بعناية ليتواكب مع فستانها المزخرف. كانت تبدو كميا، لكن أكبر سناً. كانت تقف وتضع يدها على عرش بنفسجي شفاف مصنوع من أقدس أحجار هذا العالم، القديس الأعظم. كانت هناك فتاة صغيرة، طفلة، تجلس على ذلك العرش، لكن من دون ملامح، كما هو حال الشابة التي تجلس على الأرض بجانب العرش، والفتى الذي يقف خلفه مع والدته.
كانت صورة عائلية تحمل ما كانت عليه العائلة الحاكمة من وقار ونبل. كانت جيشا تحوم بنظرها في تفاصيل تلك اللوحة، تتأمل إخوتها ونفسها الشابة التي تجلس بجانب ذلك العرش، تلك التفاصيل التي كانت ستنساها لو لم تكن قد رسمتها قبل أن تُنفى بعيداً عنها…
لمست جيشا الطلاء الجاف حيث كانت نهاية فستان والدتها مرسومةً. “عندما كنت أهرب من مسؤوليات القصر إلى هذه اللوحة، كنت أحاول إكمالها قبل عيد ميلاد أختي الصغيرة. كنت حينها مفعمة بالحياة والحب والهدوء، لكن الآن، أنا لا أشعر بأيّ مما كنت أشعر به سابقاً، لهذا لم تكتمل هذه اللوحة أبداً.”
تراجعت روجي خطوة، شعرت ببرودةٍ مفاجئة تسري في القاعة، رغم دفء الشمس التي تتسلل عبر النوافذ العالية. “سمو الأميرة.. لا أستطيع أن أخفف عنكِ مرارة ما عشتِه، لأنني وُلدت داخل جدران هذا القصر، لم أعرف أبداً ماذا يوجد في الخارج وكيف هي الحياة والناس، لهذا لا أستطيع أن أفهم شعوركِ لأواسيكِ. ربما لو خرجتُ يوماً من هذا القصر وشعرتُ بنفس حنينكِ للماضي، ربما، ربما حينها أفهم!”
التفتت جيشا إليها، وكانت عيناها تحملان نظرةً حادة كشفرة سيف. “الماضي لا يطرق الباب يا روجي، إنه ينمو تحت الأرض كجذور الشجر. ما يحنّ له الإنسان ليس المكان أو الزمان أو الأشخاص، بل الشعور الذي كان يشعر به حينذاك. لو خرجنا يوماً ما من هنا، أؤكد لكِ أنكِ سوف تفعلين أي شيء لتعودي للداخل، فالعالم في الخارج متوحش ومظلم، وما حدث في المعسكر الغربي ليس إلا تفتحاً لبرعمٍ سامٍ سوف يجعل الخارج أكثر ظلاماً مما هو عليه.”
في تلك اللحظة، قطعت ضحكاتٌ بعيدة صمت القاعة. كانت ضحكات ميا التي تعلو من ساحة التدريب، تمتزج بأصوات ارتطام السيوف. كان صوتها مفعماً بالحياة، مفعماً بالبراءة القاسية، فهي أيضاً ترعرعت داخل جدران هذا القصر منذ أول أيام إبصارها للحياة، لم تعرف أبداً ماذا يوجد خارج أسواره أو خلف تلك الغابة الكبيرة التي تحيطه من كل الجهات.
“اذهبي إليها،” أمرت جيشا روجي دون أن تلتفت إليها. “اذهبي وكوني بجانبها. إذا كان القدر سيحطم هذه الجدران يوماً، فأريدها أن تكون قوية بما يكفي لتمشي فوق الحطام.”
انحنت روجي وخرجت مسرعة، تاركةً جيشا وحيدةً أمام اللوحة. وقفت الأميرة هناك، تحمل القماش الأبيض من الأرض، كأنها تستعد لتعيده إلى مكانه، بعد أن تخطف نظرة أخيرة على تلك اللوحة وهي تقول: “اشتقتُ إليكِ أمي.”
مر الصباح على أهل القصر كما هم متعودون: أصوات تضارب السيوف في ساحة التدريب، وضحكات الخدم في ممرات القصر، وصراخ الأطفال وهم يلعبون. كان حقاً يوماً عادياً مثل باقي الأيام التي تحشر فيها ميا نفسها مع الخادمات في المطبخ، حيث كانت الأجواء أكثر صخباً ودفئاً. كانت تقف بجانب الطاولة الخشبية الكبيرة، والأطفال يلعبون بالقرب من قدميها، يدها ملطخة بالطحين، ووجهها متوردٌ من أثر التدريب الشاق. كانت تساعد في عجن الخبز من أجل العشاء.
“هل سأصبح قوياً مثلكِ عندما أكبر، يا أميرة؟” سأل طفلٌ صغير وهو يقلد حركاتها في التلويح بملعقة خشبية.
ضحكت ميا وهي ترمي بعض الطحين العالق على يدها من العجن على الطفل: “أنا لست أميرة أيتها الدودة الصغيرة، وأيضاً لن تكون مثلي، ستكون أفضل، أقوى وأمهر، لكن كل هذا مع التمرين المستمر.”
كانت مارتا، الطباخة العجوز، تراقب المشهد بابتسامةٍ تملؤها الحيرة. اقتربت من ميا وقالت بنبرةٍ حنونة: “توقفي عن تعليم الأطفال عادات سيئة مثل نثر الطحين في أرجاء المكان، سيدتي.”
نظرت ميا إلى يديها الملطخة: “أعتقد أنهم عليهم أن يكونوا مشاكسين مثلي حتى يصبحوا أقوياء، أليس كذلك خالة مارتا؟” قالت كلماتها وهي تستمر برمي بقايا الطحين على الأطفال، وتضحك بصوتٍ عالٍ مثلهم.
وفي الخارج، كان الغروب يصبغ السماء بلونٍ قرمزيٍّ يشبه لون الدم، تماماً كمصابيح القصر التي تم إشعالها في ساحة القصر الكبيرة لبدء تناول العشاء. فرغم كون المكان قصراً أو سجناً، وكل من كان فيه منفياً أو سجيناً فيه، إلا أنهم استمروا في احترام قدسية ألقابهم: فالأميرة، وإن كانت مجرّدة رسمياً من لقبها في العالم الخارجي، ظلّت أميرة بالنسبة لهم، والفرسان والجنرالات الذين لم تعد كلمتهم مسموعة في الخارج، بقيت مسموعة في الداخل. حتى الخادمات والزارعون والحدادون استمروا في احترام ما أنجزه غيرهم حين كانوا في الخارج، لكن هذا الاحترام ساد الجميع لدرجة أن يتناولوا جميعاً العشاء كل يوم على طاولةٍ عملاقة تتمركز في ساحة القصر الشاسعة، يأكلون ويشربون معاً كعائلةٍ واحدة.
مع حلول منتصف الليل، غادر الجميع إلى مضاجعهم. كان التعب قد بدأ يتسلل إلى عظام ميا، لكن ذهنها ظل مشتتاً بما قالته أمها عن المعسكر الغربي. سلكت الممرات الحجرية الطويلة التي بدت في عتمة الليل أكثر وحشةً من المعتاد، حيث كانت الشموع المثبتة على الجدران ترتجف بفعل تيارٍ هوائيٍ بارد لا مصدر له.
دخلت الغرفة تاركة روجي تغلق الباب خلفها، وبدأت في فك حزام سيفها بصمت. لاحظت ميا شرود رفيقتها، فقالت بابتسامةٍ هادئة: “لا تقلقي يا روجي، ما حدث في الخارج يبقى في الخارج. نحن هنا محميون بهذا الحاجز الضوئي الذي لا يجرؤ أحد على اختراقه.”
أومأت روجي برأسها، لكن نظرتها ظلت معلقة على باب الشرفة المفتوح. “أعلم، لكن.. الشعور في القصر هذه الليلة ليس عادياً. ألا تشعرين بذلك؟ كأن الهواء نفسه ثقيل.”
تجاهلت ميا خوف روجي، ارتدت ملابس النوم واستلقت على فراشها، معتمدةً على وسادتها. “أنتِ فقط بحاجةٍ للنوم. كل شيء سوف يكون بخير.”
أومأت روجي لميا، لتخرج من الغرفة بعد أن أُطفئت الشموع بالكامل، متجهةً نحو غرفة جيشا. كانت جيشا قد أطفأت الشموع واحدةً تلو الأخرى، تماماً كما تفعل منذ سنواتٍ طويلة، لتقاطع روجي حبل أفكارها بطرقها على الباب.
“ادخلي” قالت بهدوء، وهي ترى روجي تدخل بعد أن فتحت الباب.
“خلد الجميع إلى النوم مولاتي، هل تحتاجين إلى شيء قبل مغادرتي؟” قالت بصوتٍ خافت، محاولةً عدم إصدار أي ضوضاء عالية، فإن الهدوء في القصر سوف يجعل همسها كالصراخ بسبب الصدى.
“سوف أخلد للنوم أنا أيضاً، شكراً لكِ روجي.” تمتمت بهدوء وهي تنظر لروجي وهي تغلق الباب خلفها.
وقفت جيشا بالقرب من إحدى النوافذ في غرفتها ترتب فوضى أفكارها، تحدق في الظلام المترامي خلف الحاجز الضوئي، أغمضت عينيها، واستحضرت كل ما تدربت عليه من سيطرةٍ وتحكم، لكنها لم تشعر بشيء هذه المرة. همست لنفسها بصوتٍ لم يسمعه إلا صدى الجدران، بينما كانت عيناها ثابتتين على الأفق المظلم: “أنا أقوى مسخّرة ظلال في هذا العالم، لكنني أشعر أنني مجرد نكرة مقارنةً بقوتك، من أنتَ؟ ولماذا الآن؟”
لم يأتِ جواب. فقط سكونٌ ثقيل، وريحٌ باردة تسللت من بين الستائر، وكأن الظلام نفسه يبتسم من مكانٍ بعيد. تنهدت جيشا، وألقت بجسدها على الفراش، محاولةً أن تُقنع نفسها بأن الغد سيحمل تفسيراً بسيطاً، وأن النوم هو الملاذ الأخير قبل مواجهة العاصفة.
ولم تكن تعلم.. أنها في تلك اللحظة بالذات، على شرفة ابنتها العزيزة، حيث لا يصل ضوء القصر ولا عين حارس، وقف ظلٌّ لا شكل ثابتاً له، كأنه نُسِج من عتمة الليل نفسه. لم يتحرك، لم يصدر صوتاً، فقط وقف هناك، يحدّق عبر الزجاج إلى تلك الفتاة النائمة بهدوء، شعرها الأسود متناثرٌ على وسادتها، غافلة تماماً عن العالم الذي كان يقف على بُعد خطواتٍ منها.
بقي الظل صامتاً طويلاً، يتذوق تلك اللحظة، يمدّد المتعة قبل أن يهمس بصوتٍ لم يشبه أي صوتٍ بشري، صوتٌ كأنه يخرج من العدم:
“لقد وجدتُكِ أخيراً.”
ذابت العتمة في العتمة، واختفى الظل كما لو أنه لم يكن هناك قط، تاركاً خلفه برودةً زاحفةً نحو أسوار القصر. في تلك الليلة، نام القصر بأكمله على وعدٍ لن يفي به الفجر.
5 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.