وضع القراءة:

1|غوايةُ الرمادِ والجليد

كانت السَّماءُ فوقَ مدينةِ نيس في ذلك المساء الموحش لا تُشبهُ تلكَ الزُّرقَةَ الباهِتَةَ التي تزدانُ بها بطاقاتُ السُّياحِ الملونة، بل كانت رصاصيةً كئيبةً مثقلةً بغيومٍ حبلى بمطرٍ مالحٍ يوشكُ أن يهطلَ ليغسلَ خطايا الشوارعِ المرصوفةِ بالخيبةِ والانتظار. كانت الرياحُ تئنُّ بين أزقة المدينة العتيقة كأرواحٍ ضائعة تبحث عن مأوى، تضربُ نوافذَ البيوتِ المغلقةِ بقسوةٍ وتثيرُ الغبارَ في الزوايا المنسية.
​كان البرد يتسلل تحت جلدي ليصيب روحي برعشة لم تكن بسبب الشتاء وحده، بل بسبب الخوف من الفراغ الذي ينمو في داخلي كجرحٍ لا يندمل.
كنتُ أقفُ أمامَ بابِ مَسكنِهِ في الطابقِ الرابع، وجسدي الذي خذلهُ كلُّ شيءٍ كان يرتعدُ كعصفورٍ ذبيحٍ يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ فوقَ رصيفٍ شتويٍّ بارد. كان الهواءُ في الممرِّ الضيقِ ثقيلاً، وكأنَّ الجدرانَ تقتربُ مني لتطبقَ على أنفاسي المتهدجة.
​لم تكن يدايَ هي من ترتعدُ فقط، بل كانت روحي تئنُّ تحتَ وطأةِ تلك الحاجةِ اللعينة التي كانت تنهشُ نخاعي كوحشٍ جائعٍ لا يشبع أبداً.
أغمضتُ عينيَّ للحظة، محاولةً استجماعَ ما تبقى من شتاتِ نفسي، واستندتُ بكتفي الهزيلِ على الحائطِ الباردِ. كانت رائحةُ الرُّطوبةِ والتبغِ واليأس تفوحُ من كلِّ زاوية، وكأنَّ هذا الممرَّ هو البرزخُ الذي يفصلُ بين حياتي المحطمةِ وجحيمِ آشر الذي أعشقه.
​كانَ آشر بالنسبةِ لي في تلك اللحظات ليسَ مجردَ رجلٍ يبيعُ الوهمَ في زجاجاتٍ صغيرة، بل كانَ المجرّةَ الوحيدةَ التي تدورُ حولها ذراتُ كوني المحطم.
كانَ الثُّقبَ الأسودَ الذي ألقي فيهِ بآخرِ بقايا كرامتي ووعيي، لأشتري منهُ دقيقةً واحدةً من ذلك الصمتِ المطبقِ الذي يخلصني من ضجيجِ عقلي المعذب. كانت برودة الجدار تتسرب عبر معطفي الرقيق لتلامس جلدي، لكنها لم تكن بشيءٍ أمامَ الصقيعِ الذي يسكنُ أعماقي.
​طرقتُ البابَ ثلاثَ طرَقَاتٍ خفيفة، نَقَرَاتٌ رتيبةٌ ومترددة، نَقَرَاتٌ حفظتْهَا جدرانُ هذا المكانِ الكئيب كأنها نداءُ استغاثةٍ أخيرٍ يخرجُ من حنجرةِ غريقٍ يرى اليابسةَ تبتعد.
انتظرتُ في ذلك الصمتِ الثقيل، وكانَ كلُّ نبضٍ في عروقي يصرخُ طلباً للنجاة، بينما كانت برودةُ مالي المجعدِ في جيبي تلسعُ جلدي كأنها جمراتٌ مشتعلة، تخبرني في كلِّ ثانيةٍ بأنني بعتُ كبريائي لأجلِ جرعةٍ من العدم.
​عندما انفرجَ البابُ أخيراً، لم يخرج منهُ الضوءُ الذي تنشدهُ النفوسُ الضائعة، بل خرجت رائحةُ خشبِ الصَّندلِ العتيقِ الممتزجةِ بتبغٍ أجنبيٍّ ثقيلٍ وفخيم. تلك الرائحة التي كانت توقيعاً خاصاً لآشر.
الرجل الذي تآخى معَ العدمِ وصافحَ الموتَ في حاناتِ الغُربةِ المظلمة، قبل أن يقررَ الاستقرارَ في هذا الركنِ المنعزلِ من نيس ليوزعَ السمومَ بوقارِ القديسينَ وهيبةِ الملوكِ المخلوعين.
​وقفَ آشر يسدُّ المدخلَ بجسدِهِ الفارعِ وعضلاتِهِ التي تبدو كأنها نُحتت من صخرٍ غرانيتيٍّ صلب.
كانت كتافاهُ العريضتانِ تحجبانِ عني رؤيةَ الرَّدهةِ خلفه، وكأنَّهُ الحارسُ الوحيدُ لبوابةِ الجحيم. كانَ يرتدي قميصاً أسودَ من الحريرِ الفاخر، انسدلت طياته فوق جسده ببراعةٍ تظهر قوةً خفيةً ومخيفة، بينما كانت أزرارُهُ العلويةُ منفرجةً لتكشفَ عن بدايةِ وشمِ شقائقِ النعمان الحمراء، التي تمتدُّ من رقبتهِ وتغورُ تحتَ قماشِ قميصِهِ كأنهُ نبوءةٌ قديمةٌ نُقشت بدمٍ لا يجف.
​لم ينظرْ إلى وجهي في البداية، بل صوّبَ نظراتِهِ الحادةَ والنافذةَ كمديةٍ مسنونةٍ نحو يدي المرتجفةِ، تلك اليد التي كانت تقبضُ في تشنجٍ واضحٍ على حفنةٍ من الفرنكاتِ المجعدةِ والقذرة.
مالي الذي جمعتُهُ من حطامِ أيامي المبعثرة، ومن بقايا أحلامي التي داستها أقدامُ المارة، لأشتري بهِ حتفي الذي أعشق، ولأهربَ بهِ من حقيقةِ أنني أصبحتُ مجردَ ظلٍ لامرأةٍ كانت يوماً ما حية.
​"أنتِ مجدداً يا إيلود؟"، قالها بصوتِهِ الرُّخاميِّ العميق، ذلك الصوت الذي يحملُ في طياته وقارَ التاريخِ المتعبِ ومرارةَ الخيباتِ المتراكمة.
كان صوتهُ يشبهُ تكسرَ الأمواجِ العاتيةِ فوقَ صخورِ الرِّيفييرا في ليلةِ شتاءٍ غاضبة، يحملُ نبرةً منخفضةً لكنها تهزُّ أركانَ الروح. كانت نظرتُهُ تحملُ مزيجاً قاتلاً من الاحتقارِ الباردِ والشفقةِ المكتومة، وكلاهما كانَ يمزقُ ما تبقى من كبريائي الهش كأنهُ ورقةٌ خريفيةٌ تذروها الرياح.
​"أحتاجُ.. أرجوكَ يا آشر.. أنتَ تعرفُ أنني لا أستطيعُ الانتظارَ أكثر"، كانت الكلماتُ تخرجُ من حنجرتي الجافةِ والمحترقةِ كحفيفِ أوراقٍ يابسةٍ تحتَ أقدامِ خريفٍ لا يعرفُ الرحمة.
كنتُ أنظرُ إليهِ بعينينِ غائرتينِ يكسوهما التوسلُ الذليل، بينما كان هو يتأملُ شحوبي واصفرارَ وجهي ببرودٍ أرستقراطيٍّ قاتل، جعلني أشعرُ بالعُرِيِّ التامِّ أمامَ هيبتِهِ التي لا تُقهَر، وكأنَّهُ يقرأُ كلَّ خطيئةٍ ارتكبتُها في حقِّ نفسي.
​فجأة، وبحركةٍ مباغتةٍ وسريعةٍ كأنها انقضاضُ كاسر، مدَّ يدهُ الضخمة وأمسكَ بيدي القابضةِ على المال. لم يفتح أصابعي ليأخذ الثمنَ كعادته، بل قبضَ على كفي بقوةٍ جعلت عظامي تئنُّ وتكادُ تتحطم، وسحبني إلى داخلِ دياجيرِهِ بخطوةٍ واحدةٍ جعلتني أتعثرُ بسجادِهِ الإيرانيِّ العتيقِ والناعم. أغلقَ البابَ خلفَهُ بصوتٍ مدوٍّ هزَّ أرجاءَ المَسكن، وكأنَّهُ أغلقَ خلفنا أبوابَ العالمِ أجمع، وأيقظَ الخوفَ الكامنَ في صدري ليرقصَ على إيقاعِ أنفاسي المتسارعة.
​كانت شقتُهُ عبارةً عن مَتحفٍ غامضٍ من الظلال، وجدرانها العالية مغطاة برفوفٍ من الكتبِ الجلديةِ الضخمة ولوحاتٍ زيتيةٍ تنطقُ بالألمِ والشجن، كأنها حصنٌ مشيدٌ بعيداً عن صخبِ العالمِ الزائفِ الذي يلوثُهُ هو نفسُهُ ببضاعتِهِ المحرمة.
سارَ بي نحو منتصفِ الرَّدهةِ الفسيحة، حيثُ كان ضوءُ مصباحٍ نحاسيٍّ وحيدٍ يلقي بظلالٍ طويلةٍ وراقصةٍ فوقَ السقفِ المزخرف.
تركَ يدي أخيراً، لكنهُ لم يبتعد خطوةً واحدة، بل ظلَّ واقفاً أمامي كطودٍ عظيمٍ من الكبرياء، بينما كنتُ أنا أتضاءلُ أمامهُ حتى شعرتُ أنني مجردُ ذرةِ غبارٍ تائهةٍ في فضاءِ مملكتهِ الخاصة.
​استغرقَ الأمرُ دهراً قبلَ أن ينطقَ آشر بكلمةٍ واحدةٍ، كانَ ينظرُ إليَّ كأنَّهُ يرى رُوحاً غارقةً في أعماقِ محيطٍ من الزئبقِ، تحاولُ التشبثَ بصخرةٍ ملساً لا تزيدُها إلا انزلاقاً نحو القاعِ.
"انظري إليّ"، أمرني بنبرةٍ رُخاميةٍ لا تقبلُ الجدل، نبرةٍ تجبرُ الروحَ المتعبةَ على الانصياعِ القسريِّ دونَ قيدٍ أو شرطٍ.
​وضعَ أصابعهُ الخشنةَ تحتَ ذقني ورفعَ رأسي ببطءٍ شديدٍ، لتلتقي عينايَ الخضراوانِ اللتانِ فقدتا بريقَهُما القديمَ منذُ أمدٍ بعيد، بعينيهِ السَّوداوينِ اللتينِ تشبهانِ ليلَ المتوسِّطِ في أقصى درجاتِ غموضه وكبريائه.
كانَ إبهامُهُ يتحركُ ببطءٍ حارقٍ وموجعٍ فوقَ شفتي السفلى، لمسةٌ كانت تحملُ من القسوةِ واللينِ ما جعلَ قلبي يرتجفُ في مكانه كعصفورٍ حُبس في قفصٍ من الجليد.
​"لن أبيعَكِ الموتَ الليلةَ يا إيلود.. لن أسمحَ لكِ بأن تقتلي ما تبقى من الجمالِ الشاحبِ في هذا الوجهِ مقابلَ هذهِ القذارةِ التي تسمينها مالاً"، قالها وهو يرمي حزمةَ الفرنكاتِ فوقَ الطاولةِ الخشبيةِ العتيقةِ كأنها جثثُ حشراتٍ مقززةٍ لا تستحقُّ اللمس. تبعثرت الأوراقُ النقديةُ فوقَ السطحِ المصقولِ كأوراقِ خريفٍ تافهةٍ لا قيمةَ لها في مملكتهِ الخاصة.
​سحبَ سيجارةً من علبتِهِ المعدنيةِ المنقوشةِ ببراعةٍ يدويةٍ نادرة، وأشعلَها بولاعةٍ ذهبيةٍ ثقيلة، طقطقَ صوتُها في سكونِ الرَّدهةِ الموحشِ كطلقةِ رصاصٍ أُطلقتْ لتعلنَ بدايةَ فصلٍ جديدٍ من العذاب.
أخذَ نَفَسَاً طويلاً وعميقاً، ورأيتُ صدرَهُ العريضَ يتسعُ وعروقَ رقبتهِ تبرزُ بوضوحٍ وهو يستنشقُ الدخانَ كأنهُ يستنشقُ أرواحَ ضحاياه، ثم اقتربَ مني حتى لم يعد بيننا سوى مليمتراتٍ قليلةٍ مشحونةٍ بالتوتّر.
​أمسكَ بخصلةٍ من شعري الفوضويِّ المبعثر، وراحَ يلفها حولَ إصبعهِ الطويلِ بحركةٍ دائريةٍ بطيئةٍ ومنومة.
كانت عيناهُ الحادتانِ تجوبانِ كلَّ تفصيلٍ في وجهي بدقةٍ مرعبة، يتوقفُ عند تلك الندوبِ الصغيرةِ غيرِ المرئيةِ للغرباء، وعندَ الهالاتِ السوداء التي حفرها السهرُ والألمُ تحتَ عينيَّ كأنَّهُ يحصي خساراتي في حربٍ لم أخترْ خوضَها.
​"الليلةَ يا إيلود، سأكونُ أنا دواءكِ.. وسأكونُ أنا وجعكِ الأكبر الذي لن تشفي منهُ أبداً"، همسَ بالقربِ من شفاهي حتى شعرتُ بحرارةِ أنفاسه الممتزجةِ برائحةِ التبغِ تذيبُ الجليدَ الذي سكنَ مسامَّ روحي.
وضعَ سيجارتَهُ المشتعلةَ بينَ شفتيَّ وتركَ طرفَ أصابِعَهُ يلامسُ ذقني لمسةً أخيرةً قبلَ أن يبتعدَ فجأةً، تاركاً إيايَ أتخبطُ في فراغِ غيابهِ المفاجئ.
​في تلك اللحظة لم أكن أستنشقُ دخانَ التبغ، كنتُ أستنشقُ آشر نفسه، بكلِّ تناقضاته وشرورهِ ووقاره.
شعرتُ بحرارةِ أنفاسِهِ تخترقُ قفصي الصدريَّ وتستقرُّ في أعمقِ نقطةٍ من كياني، ولأولِ مرةٍ منذُ زمنٍ لا أذكره، شعرتُ بأنَّ الارتجافَ اللعينَ في أطرافِ يدي بدأ يتلاشى تدريجياً، لم يكن ذلك بسبب تأثيرِ مادةٍ كيميائية...
بل بسببهِ هو، الرجل الذي يملكُ مفاتيحَ خلاصي وهلاكي في آنٍ واحد.
​تراجعتُ إلى الخلفِ ببطءٍ حذر، والسيجارةُ لا تزالُ عالقةً بينَ شفتيَّ كأنها حبلُ وريثٍ واهٍ يربطني بالحياةِ التي أكرهُها. عندما سحبَ آشر يدهُ من شعري، اجتاحني بردٌ مفاجئٌ وقارص، كأنني أُلقيتُ عاريةً في عُرضِ محيطٍ متجمدٍ لا نهايةَ له.
حاولتُ أن أستقرَّ فوقَ قدميَّ، لكنَّ زلزالاً خفياً من التشنجاتِ بدأ يضربُ مفاصلي وينخرُ عظامي.
​شعرتُ ببرودةٍ غريبةٍ ومخيفةٍ تسري في عمودي الفقريِّ، تنتشرُ في أطرافي كإبرٍ دقيقةٍ من الجليدِ الحاد. كانت نوبةُ الانسحابِ اللعينة قد بدأت تنهشُ مملكاني وتُحطمُ أسواري الدفاعيةَ الأخيرة.
لم يعد الحائطُ الباردُ خلفي قادراً على سندي، فخارت قوايَ وسقطتُ فوقَ السجادِ الإيرانيِّ العتيق، سقطتُ كدميةٍ خشبيةٍ خُطفت خيوطُها دفعةً واحدةً بيدِ قدرٍ غاشم.
​بدأت يدايَ تضربانِ الأرضَ في تشنجٍ لا إراديٍّ مقزز، وأسناني تضربُ بعضها البعضَ بصوتٍ جافٍّ يشبهُ اصطدامَ عظامِ الموتى في مقبرةٍ منسيةٍ تحتَ المطر.
كان آشر يراقبني ببرودٍ مرعبٍ في بدايةِ الأمر، كان يقفُ كالطودِ العظيمِ وظلُّهُ الطويلُ يمتدُّ فوقَ جسدي الملتوي ليغطيني بالكاملِ بالظلام. رأيتُ حذاءهُ الجلديَّ اللامعَ يقتربُ من وجهي المتعرق، بينما كنتُ ألهثُ وأخرجُ أنيناً مبحوحاً يشبهُ عويلَ الذئابِ الجريحةِ في ليلةٍ مقمرة.
​"أرجوكَ يا آشر.. أعطني إياها.. سأموتُ حقاً.. قسماً بكلِّ مقدسٍ سأنتحرُ هنا الآن"، كانت كلماتي تخرجُ من بينِ شفتيَّ ممزقةً وملطخةً بذلي وانكساري، لكنهُ لم يتحرك قيدَ أنملة. ظلَّ يراقبُ توسلي واحتراقي ببرودِ كيميائيٍّ يراقبُ تفاعلاً غازياً قاتلاً في مختبرهِ المعقم، وكأنَّ صرخاتي ليست سوى ضجيجٍ خلفيٍ لا يستحقُّ الالتفات.
​وفجأةً، وبلا مقدماتٍ تذكر، جثا آشر على ركبتيهِ أمامي فوقَ ذلك السجادِ الفاخر. لم يمد يدهُ للحقيبةِ السوداء المخبأةِ في أدراجِ مكتبهِ العتيق، بل مدَّ ذراعيهِ العريضتينِ والقويتينِ وأحاطني بهما بقوةٍ هائلةٍ كادت تكسرُ أضلاعي الهزيلة. كانَ عطرُهُ، تلك المزيجُ الحادُّ بينَ الصندلِ والتبغ، يخنقني ويحييني في آنٍ واحد، وكأنهُ الترياقُ والسمُّ في زجاجةٍ واحدة.
​دفنَ وجهي الشاحبَ في تجويفِ عنقهِ الدافئ، وراحَ يشدُّ على جسدي المرتجفِ كأنما يحاولُ امتصاصَ تلك التشنجاتِ اللعينةِ في عضلاتِهِ القوية. "اصرخي يا إيلود.. مزقي هذا القميصَ الحريري.. اهرسي لحمي بأظافركِ إن شئتِ.. لكنني لن أدعكِ تعودينَ لذلك الجحيمِ الذي جئتِ منهُ الليلة"، همسَ بكلماتهِ التي كانت تسقطُ على أذني كقطراتِ شمعٍ ملتهبٍ يحرقُ ويطهرُ في آن.
​كنتُ أتلوى في حضنهِ، أضربُ صدرَهُ الصلبَ بقبضتيَّ الضعيفتينِ وأنا أشتمُهُ تارةً وأستجديهِ تارةً أخرى بكلماتٍ لا معنى لها.
غرزتُ أظافري في كتفيهِ العريضتينِ حتى شعرتُ بنسيجِ قميصهِ يتمزقُ، وشعرتُ بجلدهِ تحتَ أظافري، لكنهُ لم يئن، لم يتذمر، بل زادَ من إحكامِ قبضتهِ عليَّ كأنهُ يحاولُ إعادةَ ترتيبِ شتاتِ روحي التي تبعثرت كزجاجٍ محطمٍ فوقَ ذلك السجاد.
بدأت صرخاتي تنحسر لتتحول إلى نشيجٍ متقطع، وجسدي الذي كان قبل قليل ساحة حربٍ ضروس، بدأ يستسلم لتلك القوة الغاشمة والحنونة التي تحتويني. كان صمت الردهة يتسع ليحتوي أنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ فوق عنقه، ورائحة خشب الصندل بدت وكأنها تخدر خلايا عقلي الثائرة أكثر مما تفعل أي مادة كيميائية أخرى.
​شعر بهدوئي الذي يشبه سكون ما بعد العاصفة، لكنه لم يتركني. ظل قابضاً عليّ كأنني طفلةٌ هاربة من كابوس، وأحسستُ برأسه يميل قليلاً حتى لامست أنفاسه الحارة أذني، وهمس بنبرةٍ رخاميةٍ خفتت حدتها لتصبح كوشوشة الموج في ليلٍ ساكن: "البياض لا يليق به هذا الذل يا إيلود.. والجمال الذي يسكن عينيكِ لم يُخلق ليموت فوق عتبة بابي طلباً للعدم".
​رفع وجهي عن عنقه بيده الضخمة، كانت أصابعه الآن تمسح العرق البارد عن جبهتي برقةٍ متناهية، رقةٍ لا تتناسب مع ضخامة جسده وقسوة ملامحه. نظر إليّ بعينيه السحيقتين، فرأيت فيهما انعكاس انكساري، ورأيت شيئاً آخر..
شيئاً يشبه الوعد الذي يُقطع في لحظة صدقٍ نادرة بين شيطانٍ وضحية.
​"الليلة ستنامين هنا.. في حصني" قالها وهو يرفعني عن الأرض بخفةٍ مذهلة، كأنني لم أكن أزنُ سوى بضع ذكرياتٍ محطمة. "ستنامين بعيداً عن ضجيج حاجتكِ، وستتعلمين أن آشر الذي يبيع الوهم للآخرين، قد يبيعكِ الحقيقة لمرة واحدة.. حتى لو كانت حقيقةً موجعة".
​سار بي نحو غرفته الداخلية، حيث كانت الظلال تتراقص فوق الجدران المليئة بالكتب واللوحات. وضعني فوق فراشه الوثير الذي تفوح منه رائحته الخاصة، ودثرني بغطاءٍ ثقيلٍ من الصوف الناعم. كنتُ أنظر إليه بعينين يغالبها النعاس الناتج عن الإرهاق الجسدي والنفسي التام، ورأيته يقف عند حافة السرير، يراقبني ببرودٍ أرستقراطيٍّ عاد ليحتل ملامحه من جديد.
​أشعل سيجارةً أخرى، وراقب دخانها وهو يتصاعد في هدوء الغرفة، ثم قال قبل أن يخرج ويغلق الباب خلفه بهدوء: "أغمضي عينيكِ يا إيلود.. وغوصي في نومكِ. غداً، ستبدأ الحرب الحقيقية بيننا، وسنرى مَنْ منا سينتصر.. رغبتكِ في الموت، أم رغبتي في بقائكِ حية".
​بقيتُ وحدي في الظلام المترف، والسكينة بدأت تتسلل إلى أعماقي كسمٍّ لذيذ. ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، لم أكن أحلم بالجرعة القادمة، بل كنتُ أحلم بوشم شقائق النعمان الذي يختبئ تحت قميصه الحريري، وبصوته الذي وعدني بوجعٍ أكبر.. وجعٍ يبدو أنه الطريق الوحيد لخلاصي.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.