وضع القراءة:

حَفلُ زِفاف

{center}{left}{/left}{/center}
"السيد أدريانو دي سانتو.." نَطقَ إسمهِ بصوتٍ شُبهِ عالٍ ، عيونهِ تَدورُ ما بَينَ العريسان وتَعودُ لِتقعُ عَلىٰ الكِتابِ بَين يَديهِ."أتقبلَ الزَوَاج مِن الأنِسة آلديَانا دي كورتَيني ، زَوجَةٌ لكَ في السَراءِ والضَراءِ؟." أكملَ القِسيس بإبتسامة صَغيرة.
"أقبل."أجابَ العرَيس بوجهٍ خالٍ من التعابيرِ والجمودِ كِلُ ما يَحتلهِ ، كانَ أدريانو رَجلًا وسيم، طَويل القامة وعَريض المَنكبين شَعرهِ الأسود مَرفوعٌ وبعضِ خُصلاتهِ مُتمردة علىٰ جَبهتهِ .. إحدىٰ عيناهِ سَوداء اللَون والثانَية تَمت تَغطيتها بِرقعة من الجِلد الأسود .. سِرٌ أخر لدىٰ عائلة دي سانتو ، بَشرتهُ البرونزية تتَلألأ تَحتَ أضواءِ قاعة الزفاف.
هَزَّ القِسيس رأسهِ ونَظَرَ للِعروس."الأنسة آلديانا دي كورتَيني ، أتقبلين الزَواج من السيد أدريانو دي سانتو ، زَوجًا لكِ في السَراءِ والضَراءِ؟"
"أقبل." أجابت العروس بوجهٍ جامد كَعريسها ، كانت آلديانا فتاةً فاتِنةً جِدًا .. ذاتَ طولٍ متوسط وَجسدًا نَحيف ، شَعرها بُني اللون طَويلًا ومُجعدًا ، عيون القِطة خاصَتها سوداء اللون وبَشرتها ذي لونًا فاتِح ، شِفاهٌ مُمتلئة وأنفٌ صَغير.
"أعلِنَكُما زَوجٌ وَ زوجَة." أردفَ الرجل الكَبير وسَمع أصواتَ التصفيق والهِتافات القادِمة مِن الحُضور."يُمكنَكما تَقبيل بَعضِكُما."
إقتربَ أدريانو مِن عَروستهِ ، ضاقَت أنفاسهِ بِه وَ حَطَّت شِفاههِ عَلىٰ جبينِ آلديانا ، لَم تَكُن قُبلة حُبٍ بل كَانت قُبلة لإكمال المَراسيم فَقط.
بَعدَ الإنتهاء مِن عهودِ الزَواج، إنفصلَ الإثنان بينَ حشدِ الحِضور يَحصلان عَلىٰ التبريكاتِ السَعيدة من اهاليهم واقاربهم وإناسٍ لا يَعلمون ماذا سَيحدث.
"أدريانو مُبارَك يا رَجل." أتىٰ صَوتَ أحدِهم مُبتهجًا ، لامينو الرَجل الذي يَكرههُ أدريانو وبِشدة ، لَو لَم يَكُن والد لامينو شَقيقًا لوالدهِ لِما حَضرَ هذا الرَجل."زَوجتكَ جميلة .. لَديكَ بَعضَ الحظ." أكملَ وعيونهِ الزَرقاء تنظرُ بعيدًا نحو آلديانا.
إنقبضَ فكَ أدريانو وحاولَ التماسك ، كانَ علىٰ بُعدِ شَعرةٍ من أن يَضربُ الشاب."أعلم." تمتمَ ببرودٍ وباتَ المكان يَضيقُ حَولهِ ويخنقهُ."وأيضًا .. أبعد عَيناكَ." أكملَ بلهجةٍ تحملُ التهديد وحَصلَ علىٰ العيونِ الزرقاء عَليهِ.
قهقهَ لامَينو عَلىٰ ردةِ الفعل القاسية ونَبسَ كأفعىٰ تحومُ حولَ الفَريسة."حسنًا يا رَجل .. إنَّها لكَ."
في الجِهةِ الأُخرىٰ عِندَ آلديانا شَعرت بإنَّها سَتنفجر من المُجاملات التي تُلقيها عَلىٰ مسامعِ الضيوف."شُكرًا لكِ." شَكرت إحدىٰ النساء التي قامت بسردِ كلمات التهاني عَليها.
"آلديانا.." جاءَ صوتٌ رجولي مع نكهةٍ صَغيرة من الطفولية ، بدلةٌ باللون البيج تُعانقُ جسدهِ ، شَعرٌ أسود وعيونًا بُنية داكنة ، الحُزنُ يُخيَّمُ علىٰ ملمحهِ ."سيأخذكِ ذلكَ الأحمق مِنا." تذمرَ وهو يتأملُ شقيقتهُ ويوجهُ نظراتٍ كارهة نَحو أدريانو الذي إلتقطَ نظراتهِ وعكَفَ حاجبيهِ بغضبٍ علىٰ الرَجل.
"عَزيزي إنزو.." بدأت وصوتَها ينبضُ بالهدوء ، حَطَّت بِكفِها عَلىٰ كتفِ أخيها الأصغر وأكملت."هذا الأحمق لن يأخذني منكم ، سأتي دائمًا إليكم."
"أعتقدُ من غيرِ المُناسِب الحَديثِ عن صِهرنا هكَذا." تدَخلَ طَرفًا أخر في المُحادَثة ، طَرف أكثرَ هِدوءٍ وَ رَزانة شعرهِ الأسود مَرفوعٌ وعيونهُ السَوداء مُشرقة."سَيقتلكم بنظراتهِ." كَتمَ ضحكتهِ ورأهم يَسترقون نظرة نحو أدريانو الذي كانَ ينظرُ بالفعلِ نحوهم.
"أرمانو أرجوكَ .." توسلَ إنزو لشيءٍ غيرَ معروف وطالبَهُ المَدعو أرمانو بإن يُكمل."لاتدع هذا الرَجل يأخذُ أُختي .. إنَّهُ مُخيف."
أرمانو الشَقيق الأكبر وَوريث الفاليمورا ، المُلَّقب بالوحَش لِسطوتهِ ، يلعبُ بالسلاح كأنما يَلعبُ بلعبةِ أطفال ، لَن تُصدق بإنَّهُ نفسهُ الذي يَضحكَ الان مَع أشقائِهِ."لن نَستطيعَ الإنسحاب." قالَ ضاحِكًا وتوجَّهَ نَحو أدريانو الفُضولي بشأنِ حَديثِهم.
_
في السَيارة المُتجهة نَحو مَنزِلِهم كانَ الصمَتَ هو سَيدِ المَكان ، لَم يَود أحدَهُما الحَديث .. ولا يَعلمان ماذا يَقولان حَتىٰ ، تَم إجبارِهما علىٰ هذا الزَواج وَكلاهما كارهًا لِشخصِ الأخر.
تَوقفت السيارة أمامَ المنزل الكَبير ، مَنزل الزَوجية الخاصَ بِهُما ، مَنزلًا سَيشَهدُ عَلىٰ الكَثيرِ مِن الأشياء.
"سأخبركِ شيئًا.." بدأ أدريانو كاسرًا الصَمت الثَقيل ، عيناهُ مُثبتة عَلىٰ المِقود ويرفضُ النَظر لزوجتهِ."لا تَضعي أمالًا عَليَّ."
قهقهت الفَتاة بِسُخرية وقالَت."أضعُ أمالي عَلىٰ رجلٍ.." صَمتت لِوهلة تُعطيهُ تجهيزًا نَفسيًا لِما سَتقولهُ قَبضَت عَلىٰ باقة الوردِ بينَ يديها بِشدة وأكملت."وأنتَ لِستَ كَذلكَ."
إنفجَرت عِيونِ أدريانو متوسعًة من الصَدمةٍ والغضَبَ إنتشرَ في ثَنايا جَسدهِ."أيتُها ال-.." بُتِرَ حَديثهِ بِسببِ نزولِ آلديانا من السيارة وإغلاقِ البابِ بقوةٍ في وجههِ ، رأها تَسَيرُ نَحو مدخلِ المنزل فُستانها الأبيض الطويل مُعلقًا بينَ يديها ومع ذلكَ تلوثَ بعضهِ بإلاوساخ القادمة مِن تُرابِ الحَديقة.
رأت آلديانا صَفًا طَويلًا مِن الخَدم يَقفون أمامِها-مَنظرًا مُعتادةً عليهِ في منزلِ عائلتِها.- إنحنوا لَها بإحترامٍ ووقار ورَددوا بِصوتٍ واحدٍ."أهلًا بكِ زَوجة الزَعيم."
ضَحكت في سِرها بسخريةٍ عَلىٰ اللقبِ وأكملت طَريقها نَحو الأعلىٰ ،والخادمة تَسير بِرفقتها لِتدُلها عَلىٰ غُرفَتِها.
أمَّا في السَيارَةِ عِندَ أدريَانو؛ حَررَ عُنقهِ من الرَبطة القاسية وَجلسَ يَستجَدي أنفاسهِ ، فَتحَ نوافذِ المَركبة وحاوَلَ أخذِ أكَبَرَ قدرٍ مُمكنٍ مِن الهَواء.
أسندَ جَبهتهِ عَلىٰ المِقوَّدِ وتنفَسَ بِهدوءٍ وبُطئ."لا يوجد أسوأ مِن الإرتباط بالفاليمورا." همسَ بنبرةٍ خَفيضة يَكسوها تعبًا خافت.
بَعد دقائقٍ مِنْ إسترَاحَتهِ تَرجَّلَ من سيارتهِ وسارَ نحو قَصرهِ الذي يَرتكزَ في مُنتصفِ نابولَي السَوداء.
_
في اليَومِ التَالَي صَباحًا في الإسطبَلِ؛رَبتَ أدريانو بِراحةِ يَدهِ عَلىٰ رأسِ حَصَانَهِ، أمامَ مرأهِ لاحَ جَسدِ صَديقهِ المُقرَّبَ أرمانو بِرَفقةِ حصانهِ البُنَّي.
لَوَّحَ أرمانَو بيدهِ وعَلىٰ شِفاهَهِ إبتسامة كَبيرة."أسفٌ عَلىٰ التَأخَرِ يا صِهري." تَمتَمَ بِمُجَردِ وقوفهِ يُربتَ علىٰ ذِراعِ أدريانو الذي باتَ إنزعاجَهِ يَتصاعد.
"لِمَّا تأخَرت؟" سألَ بِملمحٍ مُلتوٍ ونظَرَ إلىٰ حصانهِ الأسَود."وأيضًا أنا صَديقكَ قَبل أن أكون صِهركَ يا أرمان."
أخَذَ أرمانو خُطوةً لِلخَلفِ وتمسَّكَ بِسرجِ الحِصانِ الأبَيَض."كَانَ لَديَّ بَعضَ الأعمال يا رَجل." أجابَه وعيونهُ السَودَاء تَتألق تَحت شَمسَ الصَباح."رِفقًا بي عزَيزي يان أنتَ زَوجَ شَقيقَتي ألان."
إلتَوىٰ وجهِ أدريانَو بِعدمِ رِضىٰ وإنحدَرَ بإتجاهِ حِصانهِ، إمتطاهُ وتمسَّكَ بِهِ."لِنبدأ جَولَتنا ، لَدينا عمل يَجب أن نُنَّجزه."
صَعَدَ أرمانو عَلىٰ ظَهرِ حِصانَهِ وصاحَ عَلىٰ أدريانو."فالتَذَهب الأعمال لِلجَحيم يا عَزيزي ، لِنستَمتع."
"لِمَاذا لَم يأتِ إنزَو مَعكَ؟" سألَ أدَريانو يَسير بِرفقة حِصانهِ وعلىٰ جانبهِ أرمانو الذي يَتنفس بِصعوبة صَدرهُ يَصعد وَيهبط إثرَ الجَولة القاسَية.
تنفَّسَ أرمانو نَفسًا طَويلًا وأجابَ."يُفضِّل إنزَو مَرسَمَه عَلىٰ العالَمِ بإسرَهِ." أدخَلَ حصانهِ إلىٰ مَنزلهِ الصَغير."يا الهي لَقد كانَ السِباق قاسٍ." همسَ من بينَ أنفاسهِ المَسلوبة وعيونهِ الهادئة تَلوح عَلىٰ وجهِ أدريانو القاسي ، الوَجه الذي إعتادَ عليه مُنذَ أعوامٍ طَويلة.
حَرَّكَ أدريَانو رُقعة عَينهِ يُخفيها جَيدًا وفَتحَ الباب لِيُدخل الحصان إلىٰ مَكانهِ."أ تَعلم؟ إنزو يَفهم كَثيرًا ، مالذي يُوجد في هَذا العالم لَيَّوليه إهتمامهِ."
همَهمَ أسودَ الشَعر وسارَ بِجانبِ أدريانو نَحو مَقرِ عملهم.
_
عِندَ الظَهيرَة كَانَت آلديَانا جَالسَةً في البَهو الكَبير ، أقدامَها مَطويةً تَحتَها عَلىٰ الأرَيكَة .. بَين يَديَها يَستقر كِتابًا تقرأهُ بِتَمعُن تَصبُ جُلَّ تَركيزها فيهِ.
رَفعت رأسَها بِفعلِ صوتِ كَعبِ حِذاءِ أدريَانو الذي يَطرق بِقسوة علىٰ الأرضية الصَلبة .. إستوقَفَ نَفسهِ أمامها وظَهرِ الأريكة الثانية يَفصل بَينَهما.
نَظَرت آلديانا لِزوجِها المَزعوم ورأتهُ كَيفَ كانَ مُغطىٰ بالدِماء ، عَلىٰ وجَههِ دمًّ باهتًا كَأنَّهُ قد مَسحهُ بِيدهِ في لحظة غَضبٍ ، قَميصهِ الرَمادي لَطختهُ الدِماء ومِن خَلفَ قميصهِ المفتوح وَصلَ إحمرار الدم إلىٰ صدرهِ ، مفاصل أصابعهِ حمراء دامية كأنَّه قد ضَرب شخصًا مراتً كَثيرةً.
"يوجَد حَفلة اللَيلة هُنا في المَنزل." أبلَغَ أدريانو بِصوتهِ الجاف ، رَفعَ يدهِ المُدمَّاة وقبضَ على طَرفِ الأريَكة."مَساءًا عِند الثامِنة يَجب أن تكَونِ جاهِزة."
وَضَعت الفَتاة الكِتَاب عَلىٰ الطاولة ورَمقت الرَجل بِنظرةٍ ساخَرة."أتأمرني؟ أنا إبنة دي كورتَيني لا اؤمَر يا دي سانتو !" إصطَكت أسنانها في صَفٍ واحِد وَسارت لِتقف بجانبهِ."حَفلتكَ السَخيفة هذهِ إحضَرها وحدكَ."
ومَشت نَحو الأعلىٰ تاركًة أدريانو يَنفجر غَضبًا مِن لهجةِ زوجتهِ الساخرة ، لَقد خالفت أوامرهِ وهذا شَيئًا لا يُعجبه أبدًا.
_
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.