وضع القراءة:

مُقَدمة:"إلهَ الحُبِّ".

فِيْ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي دِيسَمْبِرَ الْقَاسِيَةِ سَارَتْ فَتَاةٌ كَأَنَّهَا شَظِيَّةُ ظِلٍّ نَادِرَةٍ، خُصَلُهَا السُّودُ تَسْبِقُ اللَّيْلَ فِي دُجَاهَا حَتَّى تَظُنَّ أَنَّ الْعِتْمَةَ نَزَفَتْ مِنْهَا فَاخْتَرَقَتْ حَالِكَ الشَّعْرِ بِسْوَادِهَا الْأَطْلَسِيِّ. عَيْنَاهَا زَرقَاوَانِ كَأَنَّهُمَا كَوْكَبَانِ بَعِيدَانِ، لَوْ أَنَّ النُّجُومَ اخْتَارَتْ لَوْنًا لِبَصَرِهَا لَمَا وَجَدَتْ أَزْهَى مِنْ هَذَا اللَّازْوَرْدِيِّ. بَشَرَتُهَا بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالسُّمْرَةِ كَقَمَرٍ عَتِيقٍ فِي دُجَى لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ، نُقْطَةُ تَوَازُنٍ بَيْنَ النُّورِ وَالظِّلِّ، كَالْحَقِيقَةِ لَا تُبَالِغُ فِي جَمَالِهَا وَلَا تُخْفَى فِي عَادِيِّ الْأَيَّامِ.
تَقَاسِيمُ وَجْهِهَا الْبَاكِي بَيْنَ الْحُزنِ وَالْجَمَالِ تَتَرَاقَصُ كَأَنَّمَا تُحَاكِي أُغْنِيَةً عَتِيقَةً عَلَى وَتَرٍ وَاحِدٍ، فَزَادَهَا الْوَجْدُ جَمَالًا. رِدَاؤُهَا الْخَفِيفُ يَتَدَلَّى عَلَى جَسَدِهَا النَّجِيلِ حَتَّى أَسْفَلِ كَاحِلِهَا نَاصِعُ الْبَيَاضِ تَنَاقُضَ مَعَ لَوْنِ شَعْرِهَا الْحَالِكِ. تَبْكِي بِهدُوءٍ كَسَيرِهَا تَائِهَةً تَسِيرُ بِلَا هَدَفٍ كَالسَّهْوِ فِي زَمَنٍ لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، صَعِدَتْ ذَلِكَ التَّلَّ الصَّغِيرَ حَيْثُ أَشْجَارُ الدُّوغْلَاسِ، نَسْنَسَتِ الرِّيحَ وَلَفَحَتْ جَسَدَهَا الْخَاوِيَ.
ثُمَّ شَعَرَتْ بِحَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ حَوْلَهَا، الْتَفَتَتْ... فَلَمْ تَرَ سِوَى الْفَرَاغِ كَالَّذِي يَجْتَاحُ كِيَانَهَا. أَكْمَلَتْ سَيْرَهَا نَحْوَ اللَّاشَيْءِ، ثُمَّ عَادَ الْوَهْمُ يُلَوِّحُ كَالشَّبَحِ، فَالْتَفَتَتْ مُجِدَّةً ثَوَانٍ عِدَّةً، فَأَبْصَرَتْ مَا أَبْصَرَتْهُ أُولَ مَرَّةٍ:صَمْتٌ هَائِمْ فِي مِرآةِ العَدَمْ. وَحَالَمَا خَطَتْ أُولَ خَطْوَةٍ، وَعَلَى غِلِ غَفلَةٍ وَثَبَ جِسَدٌ مِنَ الْأَعلَى وَاسْتَقَرَّ أَمَامَهَا لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ. حَدَّقَتْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَتَقَهْقَرَتْ عِدَّةَ خُطُوَاتٍ إِلَى الْوَرَاءِ بِدَعَةٍ مُفْرِطَة، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا لَمْ تَغْمِضَا ، بَلْ حَدَّقَتَا فِيهِ كَمَنْ يَرْفُضُ أَنْ يُوَلِّيَ الظَّهْرَ لِخَوْفِهِ.اِتَخذتْ تِلكَ القَطرَاتْ السَاسِنةُ فِيْ مَآقِي عَيْنَيْهَا شَكلًا لِتتجَمدْ اِنتَقلَ أيضًا إلى أطرَافِها السُفْلَى بَعْدَ تِلْكَ الْخُطُوَاتِ حِينَ أَفْصَحَ ضَوْءُ الْقَمَرِ الْغَرُِّ عَنْ ذَلِكَ الْجِسَدِ. عَقَدُ الحَاجِبَينِ، هَذَا مَا أَبْلَجَ عَلىَ تِلكَ الْمَلَامِحَ الَّتِي لَمْ تَرُدَّدْ سِوَى بُكَاءٍ، بَلَعَتْ مَا كَانَ يَكْنُهُ جَوْفُهَا مِنْ رَهْبَةٍ.
بَدَنٌ عَارِمٌ كَأَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ الْجُيُوشِ فَتْكًا وَقُوَّةً، ذُو مَلَامِحَ حَادَّةٍ، عَيْنَاهُ شَدِيدَتَا السَّوَادِ وَكَأَنَّهُمَا ثُقْبَا ڤِينُوسَ الْأَسْوَدِ. شَعْرُهُ الَّذِي لَا يُضَاهِي سَوَادَ عَدَسِيَّتَيْهِ، تَتَدَلَّى بَعْضُ الْخُصَلَاتِ عَلَى جَبِينِهِ كَأَشْبَاحِ اللَّيَالِي الْقَدِيمَةِ. أَنْفُهُ كَسَهْمٍ مَنْحُوتٍ بِدِقَّةٍ، بَشَرَتُهُ سَمْرَاءُ، لَكِنَّ بُرُودَتَهَا تُنْكِرُ دِفْءَ لَوْنِهَا، كَأَنَّهَا جُلِدَتْ مِنْ ضَوْءٍ مَاتَ مُنْذُ زَمَنٍ. مَلَامِحُهُ الْمُبهَمَةُ تُوحِي إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، أَلَا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بَشَرًا، وَيُسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا، فَجَمَالُهُ نَافَسَ الْجَمَالَ، حَتَّى إِنَّ الْجَمَالَ نَفْسَهُ لَيَبْكِي بِالْحَسْرَةِ أَمَامَ كَمَالِهِ.
طَلَّتْ تِلْكَ النَّظَرَاتُ الْمُتَرَقِّبَةُ وَالْمُرْتَابَةُ، الرَّهْبَةُ تَمَلَّكَتْهَا بَعْدَمَا رَأَتْ هَيْئَتَهُ بِالْكَامِلِ. الْخَوْفُ طَرَقَ طُبُولَهُ مُعْلِنًا احْتِلَالَهُ جُثْمَانَهَا، لِيَجْعَلَهَا تَرْتَجِفُ بِخِفَّةٍ. بَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ لَهَا، تَقَهْقَرَ جَسَدُهَا لِيَرْتَطِمَ بِإِحْدَى الْأَشْجَارِ خَلْفَهَا، دُمُوعُهَا الَّتِي تَسَابَقَتْ فِيمَا بَيْنَهَا تُرِيدُ الْفَوْرَ بِذَلِكَ السِّبَاقِ الْمَرِيرِ. غَرَزَتْ أَطَافِرَهَا الشُّبَّةَ مُوجُودَةً فِي لِحَاءِ الشَّجَرَةِ، وَكَأَنَّهَا تَرْغَبُ أَنْ تَتَقَاسَمَ بَعْضًا مِمَّا كَبَّلَ أَضْلُعَهَا مَعَهَا. لَمْ يَكُنْ حُضُورُهُ مَجَرَّدَ هَيْنَةٍ تُرَى، بَلْ زَلْزَلَةً خَفِيَّةً دَوَّتْ فِي صَمْتِهَا، فَاقْتَلَعَتْ سَكِينَتَهَا مِنْ جُذُورِهَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَفِي عَيْنَيْهَا سُؤَالٌ لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى النُّطْقِ بِهِ، وَتَحَدٍّ خَافِتٌ يَرْفُضُ الِانْكِسَارَ.
تَرَاجَعَتْ، لَمْ يَكُنْ خُوفًا مِنْ هَيْئَتِهِ فَقَطْ، بَلْ لِتَقَدُّمِهِ نَحْوَهَا كَمَدِّ بَحْرٍ يُهَدِدُ بِشَاطِئِ وُجُودِهَا. انْحَنَى، حَتَّى صَارَ مَا بَيْنَ نَفْسَيْهِمَا لَا يُسمَعُ هَمْسًا، وَأَبْصَرَتْ فِي عَيْنَيْهِ عَالَمًا لَا يَشْبِهُ شَيْئًا مِمَّا عَرَفَتْ.
سَوَادٌ كَثُقْبٍ كَوْنِيٍّ، يَسْحَبُهَا إِلَى عُمْقٍ بَلَا قَاعٍ، حَتَّى نَسِيَتْ نَفْسَهَا، وَنَسِيَتِ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ.
أَيُّ ثُقْبٍ سَوْدَاوِيٍّ هَذَا الَّذِي يَحْتَوِيكَ كَفَجْوَةِ زَمَنٍ مُنْسِيٍّ، ثُمَّ يُطْلِقُ سَرَاحَكَ كَأَنَّهُ لَمْ يَأْسِرْكَ قَطْ؟
وَعِنْدَمَا شَرَعَ فِي التَّقَدُّمِ نَحْوَهَا، افْتَكَّتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْبُوتِهَا، لَحْظَةٌ وَاحِدَةً كَفِيلَةً بِإِيقَاظِ أَلْفِ يَقَظَةٍ. تَحَرَّكَتْ كَفَتهُ اليُسرَى، وَحَالَمَا لَمَسَتْ كَفَّتهُ الْبَارِدَة بِوِجْنَتَهَا، أَسْدَلَتْ جُفُونَهَا بِقُوَّةٍ، كَمَنْ يُوَارِي جُرْحًا أَثَارَتْهُ نَسْمَةٌ. مَاسِحًا مَا خَلَّفَهُ بَحْرُ عَيْنَاهَا مِنْ مِيَاهٍ مَالِحَةٍ، فَابْتَعَدَتْ بِرَأْسِهَا لَحْظَةً، كَمَنْ لَا يَأْلَفُ الْحَنَانَ، ثُمَّ تَرَكَتْهُ يُكْمِلُ كَأَنَّهَا تُجَارِبُ شَيْئًا لَا تَفْهَمُهُ. لِيَهْمِسَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ تَنَاغَمَ مَعَ صَوْتِ الرِّيَاحِ الَّتِي سَكَنَتْ:
"عَيْنَاكِ لَا تَسْتَحِقَّانِ الْبُكَاءَ."
طَلَّ صَوْتُهُ عَلَى مَسَامِعِهَا وَكَانَ كَتَعْوِيذَةٍ سِحرِيَّةٍ، أَلْقَى سِحرَ صَوْتِهِ عَلَيْهَا جَاعِلًا مِنْهَا تَتِيهُ فِي تَقَاسِيمِ حُسْنِهِ السَّاحِرِ كَوَرَقَةٍ تَحْتَ أَنَامِلِ عَازِفٍ حَالِمٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَفِي عَيْنَيْهَا شَرَارَةٌ خَافِتَةٌ:
"وَمَنْ أَنْتَ لِتَحْكُمَ بِمَا تَسْتَحِقُّ عَيْنَايَ؟"
لَمْ يُجِبْ. اكْتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا كَمَنْ يَعْرِفُ إِجَابَةً لَا تُسْتَطَاعُ الْبَوْحُ بِهَا.
وَفِي لَحنِ لَحظَةٍ، جَذَبَهَا نَحْوَ أَعْمَاقِ حِضنَهُ الدَّافِئِ، عَكَسَ مَا كَانَتْ يَدَاهُ تَكِنُ مِنْ بَرِيدٍ لَأْسِعٍ، تَغلَّلَتْ أَنَامِلُ كَفَتَهُ اليُسرَى دَافِنَةً نَفْسَهَا فِي خِصْلِهَا السَّوْدَاءِ كَنَسِيمِ فَجْرٍ تَتَلاَثَمُ مَعَهَا بِدَعَة، كَأَنَّهَا تَسْتَخْرِجُ مِنْهَا أَنَّاتِ الْوَجْعِ دُونَ كَلِمَاتٍ.
وَحَالَمَا الْتَفَّتْ ذِرَاعَاهُ حَوْلَهَا، تَفَكَّكَ جَسَدُهَا كَنَسِيجٍ خَفِيفٍ تَقَاطَعَتْ خُيُوطُهُ مِنَ الدَّاخِلِ كَرَمَادٍ خَافِتٍ،لِيُفَكِّكُ كُلَّ مَا تَبَقَّى مِنْهَا.
الْتَمَسَتْ فِي ذَلِكَ الْحَضْنِ الْوَاسِعِ مَا يُثْبِتُ السَّلَامَ، سَلَامًا لَمْ يَأْتِ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ سُكُونٍ صَدَّرَهُ لِتَعْلَقَ عَيْنُهَا بِأَثَرِ أَنَامِلِهِ الَّتِي تَنْسَابُ فِي خُصَلِهَا كَمَنْ يُنَاجِي نَجْمًا سَاقِطًا، فَارْتَعَشَتْ رُوحُهَا كَطَيْرٍ يَجِدُ عُشًّا بَعدَ بَرَارِي التِّيهِ.
فِي ذَلِكَ الْحَضْنِ، خَمَدَ كُلُّ نَبْضٍ مُؤْلِمٍ. حَتَّى دَاعَبَ الْوَسَنُ عَيْنَيْهَا، وَغَفَتْ كَمَا تَعْفُو الطُّمَأْنِينَةُ عَلَى حَافَّةِ لَيْلٍ سَاكِنٍ، غَفَتْ وَفِي صَدْرِهَا سُؤَالٌ يَنْتَظِرُ الْفَجْرَ.
وَقَبْلَ أَنْ يُغْمَضَ عَيْنَاهَا بِالْكَامِلِ، رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ فِي عَيْنَيْهِ، وَهَمَسَتْ:
"سَأَجِدُكَ... حِينَ أَسْتَيْقِظُ."
"سَتَجِدِينَنِي... حِينَ تَتَذَكَّرِينَ مَنْ أَنْتِ."
ثُمَّ سَكَنَتْ.
⋘ إنْتَهتْ ⋙
𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊𖢊
*تَم تَحدِيث الرِّواية*
-مُقَدمَة طَويَةَ نَوعاً ما، مُبهَمة بَعض الشَيء كَ ملامح صَاحِبةُ الخِصَلِ السَوداءِ وَقتْ شَافَتْ ذَلِك الكائِن الفَاتِن، أَمّا البَلاغَة فَلا تَزالُ تَنتظِرُ مَن يُنْقِذها مِن ظِلِّ النُّصُوصِ الْأُولَى.
-أسئلة حَول المُقَدِمةَ:
°رايَكُم بِالسَرد؟
°أحاسِيسكم تِجاه الأحداَث؟
°تتوَقعوا إيشْ السَبب إلي حَثها على البُكاء؟
°وَإذا الكَائِن ما إنسان إيش مُمكِن يِكون؟
°تَحليلاتكم وَتَوقعكم للقادم رغم الاشياء المُبهَمة؟
-"القَادِم أفضَل بإذنِ اللّٰه".
-[دُمتُمْ بِخير].
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.