الفصل الثاني - وميضُ القدرْ.
ارتجّت الأرض تحت أقدامهم، والوميض الأحمر ما زال يخترق السماء كجرحٍ مفتوح، ينزف نورًا غريبًا يلوّن الجدران والوجوه.
ليلٌ لم يعد مأمنًا، بل صار مسرحًا لشيءٍ يتسلّل من وراء الأفق، صوت معدني يتردّد كنبضٍ ثقيل، كأن أبوابًا خفية تُفتح في العتمة.
هيلينا التصقت بليو، وعيناها تترقبان ما لا يُرى، بينما هو يحدّق في ذلك الوميض، يشعر أن القدر يقترب بخطواتٍ لا تُسمع، لكنها تُثقل الهواء من حولهم.
وفي تلك اللحظة، انبعث من بعيد صدى آخر، أشدّ وضوحًا... وأقرب.
خرج إيلدار من غرفته مسرعًا، وعيناه تتسعان بدهشة وهو يرى أمه متشبثة بوالده، كأن الخوف قد تجسّد في ملامحها.
نظر إلى ليو للحظات، تبادل معه نظراتٍ صامتة تحمل ألف سؤال، قبل أن يخطو نحو الباب بخطوةٍ مترددة، كأن شيئًا غامضًا يجذبه إلى الخارج.
لكن فجأة دوّى صوت أبيه، صارخًا بحدةٍ لم يعهدها من قبل:
" إيلدار، توقف! "
ارتجف الصبي في مكانه، والصوت المعدني الغريب ما زال يتردّد في الخارج، كأن الليل نفسه يختبر صبرهم، ويضعهم على حافة قرارٍ مصيري...
—
نظر ليو إلى هيلينا، قبل أن يحتوي وجهها الصغير بين يديه الكبيرتين، كأن دفء كفّيه يحاول أن يبدّد ارتجافها.
مسح ليو بابهامه على عظم خدها بلطف، وعيناه تغوصان في عينيها كأنهما يبحثان عن ملاذٍ وسط العاصفة، قبل أن ينحني ليطبع قبلةً دافئة على جبينها، قبلةً تحمل وعدًا صامتًا بالحماية، وتزرع في قلبها شجاعةً لم تكن تظن أنها تملكها.
هيلينا أغمضت عينيها للحظة، تستسلم لذلك الحنان الذي يبدّد خوفها، بينما في الخارج ما زال الصوت المعدني يتردّد، والوميض الأحمر يشقّ السماء كجرحٍ مفتوح، كأن العالم كله يتأرجح بين حضنٍ مطمئن... ونذيرٍ يطرق أبواب المجهول.
ترك ليو وجهها ببطء، لتشعر باختفاء الحرارة كأنها فقدت حصنًا صغيرًا كان يحميها، وبرودة الليل تسللت إلى وجنتيها، تذكّرها أن العالم خارج حضنه لا يرحم.
تراجعت أنفاسها للحظة، وعيناها تتبعتاه وهو يبتعد نحو الباب، كأنها تخشى أن يبتعد معه الأمان كله.
ارتدى ليو معطفه المعلّق خلف الباب بحركةٍ سريعة، كأن الزمن يضغط عليه ليغادر قبل أن يفوت الأوان.
ثم استدار نحو ابنه، الواقف بثبات رغم ارتجاف قلبه، ابتسم له ابتسامةً تحمل مزيجًا من الحنان والوصية، وربت على رأسه هامسًا:
" اعتنِ بوالدتك يا بني. "
إيلدار شدّ قبضته بصمت، وعيناه تتوهجان بدهشة وقلق، كأن تلك الكلمات كانت أثقل من أي سلاح، وأكثر وقعًا من أي ارتطام معدني في الخارج.
هيلينا تابعت المشهد بعينين دامعتين، تدرك أن هذه اللحظة قد تكون فاصلة، بين بيتٍ آمن... وعالمٍ ينهار خلف الباب.
ساد البيت صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها، والوميض الأحمر يتسلّل عبر النوافذ، يلقي بظلالٍ مرتجفة على الأرضية.
إيلدار ظلّ واقفًا في مكانه، عيناه تتبعان والده بقلقٍ مكتوم، بينما هيلينا ما زالت متشبثة بزاوية الغرفة، تراقب كل حركة كأنها تخشى أن تكون الأخيرة.
ليو وقف عند الباب، يده على المقبض، لكنّه لم يفتحه بعد... كأن شيئًا داخله يطلب منه الانتظار، وكأن الليل نفسه يختبر صبرهم.
كل نفسٍ في البيت صار أثقل، كل ثانيةٍ أطول، حتى بدا أن الزمن قد تجمّد، ينتظر اللحظة التي ستكسر هذا الصمت، وتكشف لهم ما يختبئ خلف الباب.
"أستودعكم الله..."
أردف ليو وهو يفتح الباب، ثم خرج وأغلقه خلفه بسرعة، كأنّه يقطع خيط الأمان الأخير بينهم وبين العالم.
ساد البيت صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها ارتجفت مع صوت الإغلاق، وترك وراءه فراغًا يضغط على القلوب.
إيلدار ظلّ واقفًا في مكانه، عيناه معلّقتان بالباب المغلق، كأنّه يتمنى أن يعود أبوه في اللحظة ذاتها.
هيلينا جلست ببطء، تضم يديها المرتجفتين إلى صدرها، وعيناها تلمعان بدموعٍ لم تجد طريقها بعد، بينما الوميض الأحمر ما زال يلوّن السماء، كأنّه يذكّرهم أن الخطر لم يبتعد... بل اقترب أكثر.
—
مرّت ساعتان ثقيلتان، والبيت غارق في صمتٍ يقطعه بين حينٍ وآخر صدى الريح، كأن الجدران نفسها تئن من طول الانتظار.
إيلدار جلس قرب النافذة، عيناه معلّقتان بالسماء التي ما زالت تلمع بوميضٍ أحمر بعيد، كأنها لم تشفَ بعد من الجرح الذي شقّها. يداه ترتجفان فوق ركبتيه، لكن ملامحه تحاول أن تبدو ثابتة كما أوصاه أبوه.
هيلينا على الجانب الآخر، تضم وشاحها إلى صدرها، وعيناها غائرتان في الفراغ، كأنها تحاول أن تسمع خطوات ليو وهو يعود... لكن كل ما تسمعه هو صدى الغياب.
البيت بدا أوسع مما كان، كأن خروج ليو ترك فراغًا يبتلع كل زاوية، وكل دقيقة تمرّ تزيد ثقل الصمت، حتى صار الانتظار نفسه عدوًا يطرق أبوابهم.
بينما الصمت يخيّم على البيت، ارتجّت النافذة فجأة بصوتٍ خافت، كأن شيئًا ما مرّ قريبًا منها.
إيلدار انتفض من مكانه، عيناه اتسعتا وهو يحدّق في الزجاج، لكن لم يرَ سوى انعكاس الوميض الأحمر في السماء.
هيلينا شهقت بصوتٍ ضعيف، ثم وضعت يدها على صدرها، كأن قلبها كاد يقفز من مكانه.
لم يكن الصوت قويًا، لكنه كان كافيًا ليذكّرهم أن الخطر لم يبتعد، وأن البيت نفسه لم يعد حصنًا آمنًا، بل صار ينتظر اللحظة التي ينكسر فيها الصمت مرة أخرى.
استقامت هيلينا بثقل، كأن قدميها لا تطيعانها، لكنها دفعتها رغبةٌ ملحّة نحو المذياع.
اقتربت بسرعة، يدها ترتجف وهي تدير زر التشغيل، فانبعث صوتٌ مشوّش يملأ الغرفة، مزيج من همساتٍ متقطعة وصدى بعيد، كأن المذياع نفسه يلتقط أنفاس الليل.
إيلدار حدّق في الجهاز بدهشة، يتساءل إن كان هذا الصوت رسالة، أم مجرد ضجيجٍ يضاعف خوفهم.
هيلينا وضعت يدها على المذياع، كأنها تحاول أن تستخلص منه معنى، لكن كل ما خرج كان نبرة معدنية غريبة، تتردّد مع الوميض الأحمر في الخارج، كأن العالم كله اتفق أن يرسل لهم إنذارًا واحدًا.
رفعت هيلينا يدها بضجرٍ متوتر، وضربت المذياع بقوة، كأنها تريد أن تُسكت ذلك التشويش الذي ينهش أعصابها.
وفجأة عاد الصوت طبيعيًا، واضحًا، قويًا، يمتد في الغرفة كأنه رسالة منتظرة منذ زمن.
إيلدار انتفض واقفًا، عيناه تتسعان وهو يلتقط الكلمات الأولى، بينما هيلينا تجمّدت في مكانها، كأنها تخشى أن يكون ما تسمعه حقيقة لا تحتمل.
المذياع بثّ نبرة حادة، صوت رجلٍ مجهول يعلن شيئًا غامضًا، كأن العالم الخارجي قرر أخيرًا أن يقتحم صمت البيت، ويكشف لهم أن الخطر لم يعد بعيدًا... بل صار على الأبواب.
ارتجّ البيت بصوت المذياع، بعد أن عاد صافيًا وواضحًا، لينقل كلماتٍ تقطع الهواء كالسكاكين:
" انفجارٌ هائل ضرب أطراف المدينة... النيران تلتهم المباني، والسكان يُطلب منهم البقاء في منازلهم، فالخطر ما زال قائمًا..."
صمت قليلاً ثم أضاف بصوتٍ مهزوز:
" المورغار...لقد عادوا. فليحفظكم الله يا شعبَ كاليبَـارا ! "
إيلدار تجمّد في مكانه، عيناه تتسعان وهو يلتقط كل كلمة، بينما هيلينا وضعت يدها على فمها، كأنها تخشى أن يخرج منها صراخٌ لا يُحتمل.
البيت كله ارتجف مع وقع الخبر، كأن الجدران نفسها فهمت أن العالم خارجها ينهار، وأن ليو هناك في قلب الكارثة، بين ألسنة اللهب والظلام المعدني الذي يقترب.
هيلينا جلست ببطء على الأرض، ظهرها مسنود إلى الجدار، وعيناها غائرتان في الفراغ، كأنها ترى الكارثة أمامها رغم أنها بعيدة. يدها ما زالت على فمها، لكن دموعها بدأت تنحدر بصمت، تسقط على الأرضية الباردة كحبات زجاج مكسور.
الصوت من المذياع تكرّر، يؤكد الخبر نفسه، كأن العالم يصرّ على أن يزرع الرعب في قلب البيت، ويذكّرهم أن الليل لم يعد مجرد انتظار... بل صار مواجهة مع الغياب.
بعد أن صمت المذياع لثواني، ارتجّ الباب فجأة بصوتٍ خافت، كأن أحدهم طرقه من الداخل أو أن الخشب نفسه أطلق أنينًا غامضًا.
إيلدار انتفض واقفًا، عيناه تتسعان وهو يحدّق في الباب،
كأنّه يتوقع أن ينفتح على شيء مجهول.
هيلينا شهقت بصوتٍ ضعيف، ثم وضعت يدها على صدرها، كأن قلبها لم يحتمل صدمة جديدة فوق الصدمة الأولى.
ارتجّ الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الصوت أقوى، كأن شيئًا غاضبًا يطرق بإصرار، يحاول أن يشقّ طريقه إلى الداخل.
إيلدار قفز من مكانه، عيناه تتسعان وهو يحدّق في الباب المغلق، كأنّه يتوقع أن ينفجر في أي لحظة.
هيلينا شهقت بصوتٍ مرتجف، ثم أمسكت بذراع ابنها،
كأنها تريد أن تثبّته في مكانه، بينما قلبها يخفق بعنف لا يرحم.
الطرق تكرّر مرة ثالثة، أقوى، أثقل، حتى بدا أن الجدران نفسها ارتجفت، وأن البيت كله صار ساحة انتظار، بين الداخل المرتجف... والخارج الذي يطرق بلا رحمة.
ربت إيلدار على يد والدته بلطف، ثم تقدّم نحو الباب بخطواتٍ مترددة، فتح المقبض ببطء، وما ان انفتح الباب حتى اندفع الصوت بسرعة:
" إيلدار! هيا..سنذهب الى الملاجئ. "
إيلدار تجمّد للحظة، عيناه تتنقلان بين الشخص والبيت،
بين صوت المذياع الذي صمت، ووجه والدته الذي ما زال مرتجفًا.
هيلينا رفعت رأسها ببطء، كأنها تستوعب أن القرار قد اتُّخذ، وأن البيت لم يعد مكانًا آمنًا، بل صار مجرد محطة أخيرة قبل الهروب.
الهواء في الغرفة تغيّر، لم يعد صمتًا ثقيلًا، بل صار استعجالًا يضغط على أنفاسهم، كأن الزمن نفسه يصرخ:
-اخرجوا... قبل أن يبتلعكم الليل.-
" هيا يا فتى، الوقت يداهمنا ! "
ركض إيلدار نحو الأريكة، أخذ شال أمه الأخضر، ذلك الذي يوازي خضورة عينيها، كأنّه يحمل جزءًا من روحها.
تقدّم إليها، واضعًا الشال على كتفها، كأنه يكسوها بظلّ من الطمأنينة، ثم أمسك يدها بقوة، وأردف بهدوءٍ حاسم:
" هيا يا أمي... لنذهب، إن أورين ينتظرنا. "
هيلينا نظرت إلى الشال، ثم رفعت بصرها إلى ابنها، فشعرت أن الخوف بدأ يتراجع، وأن الأمل صار ملموسًا في قبضته الصغيرة.
في الخارج، كان ظل أورين يمتد تحت الوميض الأحمر،
كأنه علامة على أن الطريق قد فُتح، وأن الرحلة نحو الملاجئ بدأت الآن.
أورين طويل القامة نسبيًا، كتفاه عريضتان توحيان بالقوة رغم حداثة سنه، عيناه رماديتان فيهما بريق حذر، كأنهما تراقبان العالم بوعي أكبر من عمره، شعره داكن يتساقط على جبينه في خصلات غير مرتبة، يوحي بالتمرّد والجدية، ملامحه تجمع بين الصرامة والحنان، كأنّه قائد صغير لكنه ما زال يحمل دفء الصديق المخلص.
الباب يُفتح على ليلٍ متوتر، السماء ملبدة بغيوم ثقيلة، والوميض الأحمر يتقطع في الأفق كإنذار لا ينطفئ، الهواء محمّل برائحة دخان خفيف، كأن المدينة تتنفس بصعوبة، أصوات بعيدة، صرير معدني أو ارتجاج غامض، تزيد رهبة اللحظة، الأرض رطبة، خطواتهم تُحدث صدى خافت، كأنها تكشف عن ثقل القرار الذي اتخذوه.
هيلينا حين خرجت من عتبة البيت، شدّت الشال الأخضر حول كتفيها كأنها تبحث عن دفء مفقود، عيناها اتسعتا أمام الوميض الأحمر، فيهما خليط من خوف ودهشة، كأنها ترى العالم لأول مرة بلا حجاب الأمان، خطواتها الأولى كانت مترددة، ثقيلة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحملها بعيدًا عن البيت، أنفاسها متقطعة، الهواء الممزوج بالدخان جعلها تسعل بخفة، لكنها تماسكت حين شعرت بيد ابنها مشدودة على يدها.
قادهم أورين بخطوات ثابتة، حتى وصلوا إلى حيث كانت والدته وأختاه واقفتين، ينتظرن بقلوب متوترة على بعد خطوات قليلة.
الأم رفعت يدها المرتجفة، وعيناها تلمعان تحت الوميض الأحمر، بينما الأختان التصقتا ببعضهما، كأنهما تبحثان عن دفء في حضن واحد.
أشار لهم أورين، ثم أمسك بيد والدته بدوره، واتجهوا جميعًا نحو الملاجئ.
كان التوتر يحيط أطرافهم، كأن الهواء نفسه يضغط على صدورهم، والناس تتراكض في الأزقة، وجوه مشدودة، عيون متسعة بالخوف، بعضها يلمع بالدموع، وبعضها يحدّق في الفراغ كأنها تبحث عن أمل، صرخات متقطعة، نداءات للأبناء، أنفاس لاهثة، وضجيج أقدام يختلط بصوت الريح والارتجاج البعيد، كل واحد يبحث عن ملاذٍ يقيه من المجهول.
كانوا الأطفال بعضهم يُحمل على الأكتاف، وبعضهم يركضون بجانب أمهاتهم، خطواتهم متعثرة، أنفاسهم لاهثة، يحاولون مواكبة سرعة الكبار لكن الخوف يجعلهم يتعثرون. بكاء متقطع، نداءات صغيرة "ماما!"، صرخات خوف تمتزج بضجيج الحشود، جاعلاً من المشهد أكثر قسوة، كأن البراءة نفسها تُساق نحو الملاجئ هاربة من كارثة لا تفهمها.
الوميض الأحمر يومض بين فترة وأخرى، يمزّق السماء يجعلها تنزف ضوءًا غريبًا، فتبدو المدينة كأنها تحت حصارٍ سماوي.
خطواتهم كانت سريعة، لكنها ثقيلة بالرهبة، كل ارتجافة في الأرض، وكل صرخة بعيدة، كانت تزيد من وطأة اللحظة، وتجعل الملاجئ تبدو كالحلم الوحيد الممكن.
كانت الملاجئ تحت الأرض، أنفاقًا إسمنتيةً ذات أبواب معدنية ثقيلة تُفتح بصريرٍ حاد، وتقود إلى سلالم طويلة تنحدر نحو الأعماق.
كان الناس يتدافعون إلى الداخل، بعضهم يركض، وبعضهم يكاد يزحف، كأنهم يسابقون الزمن لينحدروا إلى الأمان.
بدأوا بالنزول عبر السلالم الطويلة، خطواتهم تتردد في الفراغ الضيق، كأن الصدى يلاحقهم من الخلف.
الهواء صار أثقل، رائحة التراب والحديد امتزجت مع أنفاسهم اللاهثة، وكل درجة نزول كانت كأنها انحدار أعمق نحو المجهول.
الأطفال يتشبثون بأيدي أمهاتهم، والشيوخ يضعون أيديهم على الجدران الإسمنتية الخشنة، كأنها سندٌ أخير.
المصابيح الصفراء المعلقة على الجدران تضيء وجوههم للحظة، ثم تتركهم في ظلالٍ متراقصة، كأن السراديب تختبر شجاعتهم قبل أن تمنحهم الأمان.
—
حين وصلوا إلى القاع، بدت الجدران الإسمنتية السميكة كأنها تتنفس ببطء، رطوبة تتسرب من التشققات الصغيرة، تترك بقعًا داكنة على السطح البارد.
الأرضية رطبة، مغطاة بطبقة من الغبار الممزوج بالعرق والوحل، الذي جلبه الناس معهم من الخارج.
المصابيح الصفراء المعلقة على الجدران تضيء المكان بخفوت، تترك ظلالًا متراقصة على الوجوه المتعبة، فتجعل السراديب تبدو كأنها عالم آخر، عالم بارد لكنه أكثر أمانًا من السماء الممزقة أعلاه.
الأصوات تتعالى شيئًا فشيئًا، تتداخل لتصنع سيمفونية خوف جماعي، كل صدى، كل بكاء، كل صرير، يضيف طبقة جديدة من التوتر. السراديب بدت كأنها تبتلع الأصوات، تحفظها في جدرانها الباردة، لتصبح جزءًا من ذاكرتها الأبدية.
إيلدار بدا كأنه يحمل ضجيج السراديب داخله، لكنه يعيد صياغته إلى هدوء خارجي. كل همسة منه كانت مقاومة، وكل ابتسامة صغيرة كانت إعلانًا أن الأمان ممكن حتى وسط الجدران الباردة والأصوات المتعالية.
بعد أن جلست والدته مع والدة أورين، استدار إيلدار ببطء، عيناه تبحثان عن أورين وسط الظلال والضجيج.
رآه واقفًا، ملامحه مشدودة، اقترب إيلدار، خطواته كانت حذرة لكنها حاسمة، حتى وقف بجانبه، كأنهما جداران متجاوران يحملان الخوف عن الآخرين.
نظر إليه للحظة، ثم قال بصوت خافت، كأن الكلمات نفسها تخشى أن تتردد في صدى السراديب:
"هل رأيت الآخرين يا أورين؟ "
أشار أورين نحو اليسار، وقال بصوت منخفض:
"هناك، كاريوس وعائلته."
التفت إيلدار، فرأى صديقه كاريوس وسط الزحام، يمسك بيد أمه التي بدت متعبة، بينما أخوه الصغير يتشبث بثوبها، عيناه واسعتان مليئتان بالخوف.
لحظة التعرف على الوجوه المألوفة أعادت بعض الطمأنينة وسط الفوضى، كأن وجودهم معًا في هذا القاع البارد جعل السراديب أقل وحشة، وأكثر شبهًا ببيتٍ جماعي يحميهم جميعًا.
ثم أكمل أورين وهو ينظر إلى إيلدار، صوته كان منخفضًا لكنه مشوب بالقلق:
"لكن سِراف... لم أره."
تجمّد الكلام بينهما للحظة، كأن ذكر الاسم وحده فتح فجوة جديدة في الصمت، فالأصوات المتعالية من البكاء والصرير بدت أضعف أمام ثقل الغياب.
إيلدار شدّ على قبضته، عيناه اتسعتا قليلًا، كأن السؤال غير المعلن هو: أين اختفى سِراف وسط هذا الزحام؟ وهل ابتلعته السراديب أم ما زال في الخارج؟.
في نفس اللحظة، كان داريوس قد لاحظهم بالفعل، فحمل أخاه الصغير على ظهره، وأمسك بيد أمه جيدًا، ثم اقترب بخطوات ثابتة وسط الزحام.
حين وصل إليهم، ارتسمت على وجهه ملامح الجدّ والاطمئنان، وأردف بصوتٍ خافت لكنه واضح:
" إيلدار، أورين..."
التفتا ينظران إلى داريوس، ارتسمت على وجهيهما ابتسامة صغيرة، كأنها كسرت بعضًا من ثقل الأصوات المتعالية.
قال إيلدار وهو يشير نحو والدته ووالدة أورين واختيه:
"هناك يا داريوس."
داريوس أدار نظره في الاتجاه، فرأى المرأتين جالستين متجاورتين، وبجانبهما اختا أورين، إحداهما تضم حقيبة صغيرة إلى صدرها، والأخرى تضع يدها على كتف والدتها.
خطا داريوس نحوهن، سلّم عليهن بابتسامة متعبة لكنها صادقة، ثم أجلس والدته وأخاه الصغير بجانبهن، كأن الصف اكتمل بجدارٍ آخر من العائلة.
استدار بعدها، وعاد بخطوات ثابتة نحو صديقيه، عيناه تلمعان بالاطمئنان، كأن وجود الجميع معًا أعاد إليه شيئًا من القوة.
أورين وإيلدار تبادلا نظرة قصيرة، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهيهما، كأنهما يعترفان بصمت أن الجماعة بدأت تكتمل، وأن الخوف صار أخف حين صاروا معًا.
عاد نفس السؤال مجددًا إليهم، حين سأل داريوس بصوتٍ مشوب بالقلق:
"أين هو سِراف؟"
تبادل أورين وإيلدار نظرات قصيرة، ابتسامتهما الصغيرة انطفأت تدريجيًا، أورين شدّ على قبضته، بينما إيلدار أطرق برأسه قليلًا، كأنهما يعترفان بصمت أن الغياب
أشد وقعًا من الأصوات المعدنية والصرير.
السراديب بدت فجأة أضيق، كأنها تبتلع الأسماء كما تبتلع الأصوات.
فهم داريوس بدوره أنهما لا يعلمان، فخرج منه تنهدٌ ثقيل، كأن صدره يفرغ بعضًا من القلق المكبوت.
ارتجفت يداه للحظة، لكن عينيه ظلّتا ثابتتين على صديقيه، كأنه يبحث عن جوابٍ في وجوههما، حتى لو كان الصمت هو الجواب الوحيد.
السراديب ازدادت صمتًا، كأن التنهد نفسه صار جزءًا من الأصوات المتعالية، لكن هذه المرة لم يكن صدىً خارجيًا، بل صدىً داخليًا يثقل القلوب.
—
مرّت الليلة ثقيلة، كأن الزمن نفسه يجرّ خطواته ببطء، على شعب كاليبارا الجالسين في السراديب ينتظرون مصيرهم المجهول.
الأصوات خفتت تدريجيًا، لكن الصمت لم يكن راحة، بل كان أثقل من الضجيج، كأن كل نفسٍ يخرج من صدورهم
هو محاولة للنجاة من العتمة.
الوجوه متجاورة، الأمهات تحتضن أبناءهن، الأصدقاء يقفون جنبًا إلى جنب، والعيون كلها معلّقة على المجهول، كأن السراديب نفسها تختبر قدرتهم على الاحتمال.
—
حلّ الصباح بدوره ثقيلاً عليهم، كأن الضوء لم يكن خلاصًا، بل مجرد امتدادٍ آخر للعتمة الداخلية.
كان البعض لا يزال نائمًا، أجسادهم منهكة من طول الانتظار، وأحلامهم مشوشة بأصوات السراديب.
أما البعض الآخر، فلم يغمض لهم جفن، عيونهم حمراء من السهر، تحدّق في الفراغ كأنها تبحث عن إجابة
لا يملكها أحد.
الصمت في الصباح كان أشد وقعًا من ضجيج الليل، كأن المجهول يزداد وضوحًا مع كل شعاعٍ يتسلل إلى جدران السراديب الباردة.
استيقظ الجميع بذعر، حين سمعوا صوت صرير الباب يفتح ببطء، كأن الحديد نفسه يتنفس في العتمة.
الأمهات ضممن أبناءهن بقوة، الأطفال شهقوا وهم يلتفتون نحو الصوت، والبعض وقفوا متوترين، عيونهم معلّقة على الباب، كأن المجهول أخيرًا قرر أن يدخل.
الصرير كان بطيئًا، يمتد كخيطٍ طويل من الرعب، حتى صار كل نفسٍ في السراديب معلّقًا على ما سيظهر خلف الباب.
كانت أصوات خطواتهم على السُلم تتردد في السراديب كأنها ضربات مطرقة على الحديد، كل خطوة تثير الرعب في النساء والأطفال، فتشبثت الأمهات بأبنائهن أكثر، وتجمّد الأطفال في أماكنهم، عيونهم تتسع مع كل صريرٍ جديد.
لم يبقَ من الرجال سوى الكبيرين في العمر، وجوههم متجعدة لكنها ثابتة، كأنهم آخر جدارٍ يقف أمام المجهول، يحاولون أن يزرعوا الطمأنينة في الجماعة رغم أن الخوف ينهش صدرهم أيضًا.
نزل من السُلم ثلاثة رجال، يرتدون الزيّ الملكي، خطواتهم كانت واثقة، وصوتها الذي أثار الرعب قبل لحظات تحوّل إلى إيقاعٍ مطمئن.
عندها ارتاح الشعب، تنفّسوا بعمق كأنهم يفرغون ثِقل الليل والصباح، الأمهات خفّفت قبضتهن على أبنائهن، والأطفال رفعوا رؤوسهم بفضول، أما الشيوخ فابتسموا ابتسامة صغيرة، كأنهم وجدوا في حضور الملكيين وعدًا بالحماية.
تحدث أحدهم بصوتٍ رسمي:
"صباح الخير أيها الشعب، أتمنى أن تكونوا بخير.."
صمت قليلاً، حنى رأسه كأنه يزن وقع كلماته، ثم أكمل ببطء:
"هناك أمر ملكي بأخذ الأولاد الذين أعمارهم في السابعة عشر."
السرداب تجمّد للحظة، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة، الأمهات شهقن بصوتٍ مكتوم، أما الرجال الكبار فخفضوا رؤوسهم، كأنهم يعرفون أن الاعتراض لن يغيّر شيئًا.
استقامت إحداهن بذعر، صرخت بصوتٍ يملؤه الحزن والمرارة:
"لقد أخذتم ابني البالغ الثامنة عشر لأنه بالغ... والآن تأخذون ابني الثاني؟ ماذا سيبقى لي!!"
ارتجّت السراديب بصوتها، الأمهات من حولها أطرقن برؤوسهن، بعضهن دمعت أعينهن، والأطفال تشبثوا أكثر بأحضانهن، كأن الصرخة كانت صرخة الجميع.
الرجال الملكيون تبادلوا نظراتٍ صامتة، لكن هيبة الزيّ لم تمنع وقع الكلمات، فقد بدا أن الحزن أقوى من السلطة في تلك اللحظة.
قال الحرس بحزن، صوته كان مترددًا لكنه واضح:
"سيدتي العزيزة، هذا أمر ملكي، إن المملكة تحتاج إلى عدد أكبر في الجيش، تحتاجنا جميعًا...لكن الملك أبهر كان متفهمًا لكم يا امهات كاليبارا، لذا قال جلالته بأن الأمر سيكون تطوعيًا وليس اجباريًا."
ارتجّ السرداب بصدى كلماته، الأم التي صرخت أطبقت يديها على صدرها، دموعها انهمرت بلا مقاومة، والأمهات الأخريات تبادلن نظراتٍ يملؤها الخوف، لكن هذه المرة لم يكن كله خوفًا، بل امتزج ببصيص أمل، كأن القرار فتح نافذة صغيرة في جدار العتمة.
الأولاد في السابعة عشر تبادلوا نظراتٍ مذعورة، بين رفضٍ داخلي وصمتٍ ثقيل، أما الرجال الكبار فخفضوا رؤوسهم، كأنهم يعترفون أن الحزن أقوى من أي احتجاج.
نظر إيلدار إلى صديقيه بابتسامة جانبية، ابتسامة تحمل سرًا مشتركًا بينهم، فهمها أورين وداريوس على الفور، وارتسمت على وجهيهما نفس الابتسامة.
في تلك اللحظة، لم يكن الخوف ولا الأمر الملكي هو المسيطر، بل كان الحلم الذي طالما دار بينهم، الحلم الذي وجد أخيرًا طريقه لأن يكون واقعًا.
السرداب بدى أوسع، كأن الجدران نفسها سمعت ابتساماتهم، وأدركت أن الأمل أقوى من كل الأوامر.
لكن ما أعادهم إلى واقع الحال هو صوت هيلينا وهي تنادي على ابنها بخوف، صوتها ارتجف كأنه يخرج من قلبٍ مثقل بالرهبة.
استدار إيلدار ينظر إليها بحزن، ابتسامته الجانبية انطفأت تدريجيًا، وعينيه امتلأتا بالأسى، فرغم أن حلمه وجد طريقه ليكون واقعًا، إلا أن هذا الواقع سيكون بمقابلٍ قاسٍ: تركه لوالدته وحدها في السراديب.
أورين وداريوس تبادلا نظرة صامتة، ابتسامتهما تراجعت، كأنهما أدركا أن الحلم الذي بدا قريبًا يحمل في طياته جرحًا لا يلتئم.
استقامت هيلينا بتعب، خطواتها بطيئة لكنها مثقلة بالحب والخوف، اقتربت من إيلدار، مدّت يدها نحوه كأنها تريد أن تربطه بها إلى الأبد.
إيلدار نظر إليها بعينين يملؤهما الحزن، كأن الحلم الذي كان يلمع داخله انكسر أمام خوف والدته.
في الوقت نفسه، انصرف أورين نحو والدته، داريوس تبعه نحو والدته أيضًا، كأن الثلاثة جميعًا أدركوا أن الحلم مهما كان عظيمًا، فهو لا يساوي شيئًا أمام دموع الأمهات.
تمسكت هيلينا بيديّ إيلدار جيدًا، عيناها تلمعان بالدموع، نظرتها كانت ترجوه أن لا يذهب، كأنها تقول بلا كلمات: أنت وحيدي... لا تتركني.
إيلدار شعر أن قلبه ينقسم نصفين، بين حلمٍ طالما انتظره، وبين حضن والدته الذي لا يستطيع أن يتخلى عنه.
أردف بصوتٍ مهزوز، كأن الكلمات خرجت من أعماق قلبه:
"أمي..."
كانت الكلمة قصيرة، لكنها حملت كل التردد، كل الحب، وكل الخوف من أن يتركها وحيدة.
هيلينا شدّت على يديه أكثر، دموعها انهمرت بلا توقف، كأنها تستجدي تلك الكلمة لتكون وعدًا بالبقاء.
قالت بصوتٍ مكسور:
"لا تذهب يا صغيري.. أرجوك!"
ارتجف قلب إيلدار، عيناه امتلأتا بالدموع، كأن الحلم الذي كان يراه أمامه انهار أمام صرخة والدته.
السرداب كله صمت، كأن نداء هيلينا كان صرخة الجماعة، صرخة الأمهات جميعًا، صرخة الواقع الذي لا يمكن الهروب منه.
قال إيلدار بصوتٍ مهزوز، كأنه يحاول أن يوازن بين قلبه وعقله:
"لكن يا أماه... إن المملكة تحتاجنا.."
قبل أن يكمل، صرخت هيلينا بصوتٍ مكسور، دموعها تنهمر بلا توقف:
"لا... لا لن تذهب، لن تتركني يا إيلدار!"
السرداب ارتجّ بصوتها، كأنها لم تخاطب ابنها وحده، بل خاطبت كل الأمهات، وكل الأبناء الذين يقفون على حافة الفقد.
حنى رأسه بقلة حيرة، ثم أردف:
"حسنًا يا أمي.."
احتضنته هيلينا بقوة، كأنها تريد أن تذيب خوفها في صدرها، مسحت على شعره بلطف، دموعها انهمرت لكنها حملت معها راحة صغيرة.
—
" ألن تأتي يا إيلدار؟ "
قال أورين الذي كان بالفعل قد أقنع أمه وأخواته بالذهاب بشكلٍ ما، فبدا أكثر استعدادًا للمضي نحو الحلم، لكن عينيه كانتا تراقبان صديقه، كأنه ينتظر منه أن يخطو الخطوة ذاتها.
إيلدار التفت نحو أورين، عيناه ما زالتا مثقلتين بدموع والدته، بين حضنها الذي يشده إلى البقاء، وبين ابتسامة صديقه التي تدعوه إلى الانطلاق.
أما داريوس، فقد كان قد أقنع والدته أيضًا، لكنه نظر إلى إيلدار وأورين بصمتٍ طويل، كأن عينيه تقولان ما لم يستطع لسانه أن ينطق به.
رأى في المشهد صراعًا لا يخص إيلدار وحده، بل يخصهم جميعًا، بين حلمٍ يقترب وواقعٍ يشدّهم إلى جذورهم.
صمته كان أثقل من الكلمات، كأنه يعترف أن القرار ليس فرديًا، بل هو مصير جماعي، يُكتب أمام أعينهم جميعًا.
هزّ إيلدار رأسه نفيًا، اقترب أورين ووضع يده على كتفه بلطف، ابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه، ثم قال بصوتٍ هادئ متفهم:
"لا بأس يا رفيقي، نحن سنكمل هذا الحلم، لأجلك أيضًا.."
داريوس أطرق برأسه موافقًا، كأن الصمت صار عهدًا بينهم، أن الحلم سيبقى حيًا، حتى لو لم يسيروا فيه جميعًا معًا.
انقسم قلب إيلدار بين الحلم وحضن والدته، لكن وجود أورين وداريوس بجانبه جعله يشعر أن الحلم لن يموت حتى لو لم يشارك فيه بنفسه.
الأحلام قد تتجزأ، والقرارات قد تختلف، لكن ما دام الوفاء حاضرًا، فإننا سنبقى جدارًا واحدًا أمام كل شيء.
—
بعد ساعة من الوداع، من دموع الأمهات وصمت الأبناء، ارتفع صوت الحارس الملكي مرة أخرى، صوته كان قويًا لكنه يحمل شيئًا من الحزن:
"الذي يريد التطوع فليتقدم هنا."
السرداب ارتجّ من جديد، لكن هذه المرة لم يكن الصدى كله خوفًا، بل كان مزيجًا من التردد، من الأمل، ومن الحيرة التي تسكن القلوب.
أورين شدّ على يد أخواته، داريوس نظر إلى والدته بصمت، أما إيلدار فبقي ممسكًا بيد هيلينا، كأن اللحظة نفسها انقسمت نصفين: بين من يتقدم، ومن يبقى.
تقدّم الأولاد واحدًا تلو الآخر، خطواتهم كانت ثقيلة لكنها ثابتة. الأمهات شهقن بصوتٍ مكتوم، دموعهن انهمرت بلا توقف، كأن كل خطوة للأبناء كانت اقتلاعًا من جذورهن.
أورين احتضن والدته وأخواته للمرة الأخيرة، دموعهن التصقت بملابسه، لكنه مضى بخطوةٍ حازمة نحو الحارس.
داريوس تبعه، بعد أن ودّع والدته وأخاه الصغير، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه، كأنها تخفي خوفًا عميقًا.
كلاهما نظر إلى إيلدار، ابتسامة صغيرة تبادلاها معه، ثم تقدما نحو الحارس، كأنهما يعلنان أن الحلم بدأ، حتى لو لم يكتمل بهم جميعًا.
—
خرج الحراس أولًا، خطواتهم كانت ثقيلة كأنها تفتح الباب لمصيرٍ جديد.
تبعهم الأولاد، خمسة وسبعون فتى تقريبًا، وجوههم مترددة، لكن خطواتهم كانت ثابتة، كأنهم يسيرون نحو قدرٍ لا مفر منه.
حين رأى الحارس الملكي العدد تجمّد للحظة، عيناه اتسعتا بدهشة خفية، لكن ملامحه بقيت متماسكة، كأن السلطة لا تسمح له بإظهار الضعف.
شدّ قبضته على سيفه، ثم رفع رأسه عاليًا، صوته ارتفع بصرامة:
"قفوا في صفٍ واحد، ولتستعدوا للمضي."
.
.
.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!