مُقدمة

تيك، توك. تيك-توك، تيك توكـ---
بدا وكأنما ساعةٌ تدقُ في جسدي لا في المكانِ الذي كنتُ فيه، لكنِّي مهما بحثتُ لم أجد واحدة.
المصعدُ الصغيرُ الخانق، النقاطُ التي تقلُ بارتعاشٍ طفيفٍ على الشاشةِ موضحةً أرقامًا غيرَ مألوفةٍ، وتلكَ الرائحةُ اللاذعةُ التي جعلت اختناقًا حارقًا يملأ صدري... لم يكن أيٌ من ذلكَ كفيلًا بإرعابي بقدرِ تلكَ الموسيقى التي قد ترددت حولي، فيَّ.
طرقاتٌ خفيفةٌ بطيئةٌ على سطحِ المصعد،
صوتٌ بعيدٌ لألحانٍ قد جرفتها الرياح غيرُ الموجودة معها،
وتلكَ الدقاتُ التي كانت تتسارعُ معَ كلِّ طابقٍ جاعلةً صوتَ الطرقات والألحانِ أشدَّ وأعلى.
رفعتُ يديَ أمامي وإذ بارتعاشهما أشدَ وضوحًا من أفكاري.
تلكَ الأصواتُ المقيتةُ دائمًا ما تهزمني. فلو ألقيَ إليَّ أكثرُ أفلامِ الرعبِ بؤسًا وأكثرها شناعةً وتخويفًا لما أثارت فيَّ قدرَ شعرةٍ طالما أطفأُ الأصواتَ القادمةَ منها. أما إن سمعتها؟ يا إلهي. سأشعرُ وكأنما أطرافُ عقلي تتآكلُ ولن يكونَ بإمكاني التقاطُ أنفاسي.
أنا أشعرُ الآن وكأنما أطرافُ عقلي تتآكل، فما أسمعه ليسَ بأقلَ من ألحانٍ شاذةٍ قد اخترعها معتوهٌ ما ليضعها خلفيةً لأحداثٍ اخترعها معتوهٌ آخر.
وتلكَ الألحانُ برمتها توقفت وكأنما ضُغطَ زرُ إيقافٍ بالقوةِ معَ توقفِ المصعدِ فجأةً وعلى شاشته رقمٌ سالب.
«يا إلهي.»
تنفستُ الصعداءَ محاولًا إعادةَ ترتيبِ أفكاري ومشاعري.
«الآنَ كُلُّ شيءٍ على ما يرام.»
لا أصوات، لا خوف.
المصعدُ ربما معطلٌ لذا سيكونُ عليَّ الاتصالُ بالمختصِ حالما يُفتحُ الباب، عدا ذلكَ لم تكن هنالكَ مشكلـ --؟«ماذا؟»
فُتحَ المصعد،
رمشت،
وأعيني جابت المكان حولي...
ما أذكره هوَ أني قد أتيتُ بغيةَ الحصولِ على مفاتيحي صباحَ هذا الأحدِ المشرقِ، لذا لمَ شقةٌ فاخرةٌ بأثاثٍ فيكتوريٍ ونوافذَ طويلةٍ كبيرةٍ تطلُ على غابةٍ بأضواءَ طافيةٍ كانت أمامي؟
أينَ أثاثُ المكتبِ الكئيبُ المعتاد؟
«تنفس، تنفس.»
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثمَّ أغلقتُ عينيًّ بينما أضغطُ على زر المصعدِ مجددًا، ثمَّ فتحتُ أعيني لتترددَ صرخةٌ حادةٌ في المصعدِ مراتٍ عديدة...
صرختي.
تلكَ الصرخةُ التي لم تفعل شيئًا لإبعادِ ذلكَ الكائنِ المشوهِ القبيحِ من أمامي ولا لإعفائي من هَولِ رؤيته يتمايلُ مقتربًا وكأنما يجرُ جسده الطويلَ على الأرضيةِ الملساء.
قلبي توقف، وخلتُ أني ما عدتُ أستطيعُ التنفس.
ذلكَ الشيءُ ابتسمَ ابتسامةً شقت وجهه نصفين، والحلقاتُ الذهبيةُ التي كانت تتدلى على جوانبِ رأسه الأسودِ عديمِ الهيئةِ والملمسِ ضربت بعضها مصدرةً أصواتًا لا تشبه صوتَ تلامسِ المعدنِ في شيء.
بعد ثوانٍ خرجَ من حلقه صوتٌ حادٌ أنزلَ في جسدي رعشةً مؤلمة. تلفظَ بأشياءٍ لم أفهمها، ثمَّ، وقبلَ أن أدرك، اختفت الأرضُ من تحتِ قدميّ.
عندما عادَ إليَّ وعيي بعدها كنتُ واقفًا أمامَ بابِ المصعدِ في الطابقِ الأرضيِ مجددًا. يدي التي قد ارتفعت لتضغطَ الزر سحبتُها وكأنَّ كهرباءً مرت بها قبلَ أن أعودَ خطوتينِ للخلفِ ولا ازالُ ممسكًا بها وكأنما هي تؤلمني فعلًا...
مفاتيحي لا أريدها.
أنا لن أدخلَ المصعدَ مجددًا. ليسَ أيام الأحد، وليسَ حينما تكونُ الشركةُ خاليةً في ساعاتِ الصباحِ الأولى. فحتى لو كانَ ذلكَ وهمًا مقيتًا وشيئًا ربما اخترعه عقلي ربعَ النائم—حدسي يخبرني ألا أذهب.
وأنا إن كانَ شيءٌ أثقٌ به في حياتي كلها فسيكونُ حدسي وحسب. حتى لو كانَ ارتعاشُ يدي وهمًا، وحتى لو كانت تلكَ الذكرياتُ في عقلي مجردَ صورٍ اخترعها بنفسه... لن أذهب.
«فقطَ انسَ،»
بعدَ دقيقةٍ أو نحوها من الوقوفِ ساكنًا أمام المصعدِ عدتُ أدراجي، دون المفاتيحِ، وكأنما شيئًا لم يكن.
ما لا أفهمه، لا أفكرُ فيه…
لذا مهما كان ما رأيته عجيبًا ويدبُ الرعبَ في النفس، فليسَ من خيارٍ أمامي للتعاملِ معه عدا أن أنساه… وهذا شيءٌ أجدته أكثرَ من أيِ شيءٍ في حياتي.
لذا ببساطةٍ نسيته،
ولم يُذكرنِ شيءٌ به إلا حينما حلَّ صباحُ الاثنين... عندما وجدتُ رسالةَ نقلٍ إلى فرعِ الشركةِ تستفتحُ عليّ يومي.
«ماذا؟»
كيفَ ولماذا حصلَ ذلك في حينِ كنتُ بالكادِ أكبتُ حماسي لأجل علاوةِ هذا الشهر؟ لا أعرف.
كلُ ما أعرفه هوَ أن قائدَ فريقيَ المراعي والعزيز لم يجدْ ما يقولُ لي عدا: «إنه أمرٌ غيرُ قابلٍ للتفاوض، فقط اقبله.»
بدا ذلك بالتحديدٍ مثل قوله: «كان اسمكَ في قائمة التسريحِ لذا كن منتنًا.» وهذا في عقلي أسوأ من رؤيةِ ما رأيتُ في اليومِ السابقِ وأكثرُ شناعة!
ديوني وأقساطي—
كيفَ سأدفعها الآن؟!
زفيرٌ خرجَ من فمي مُثقلًا حينما فكرتُ بالأمرِ مجددًا. يدي التي تبعثرُ شعري، والأخرى التي تضعُ ما لي من أشياءٍ قليلةٍ في الصندوقِ الكئيبِ توقفتا حينما صدرَ رنينٌ غيرُ مألوفٍ من هاتفي.
حينما أخرجته كانَ ظرفٌ أصفرٌ فاقعٌ يتوسطُ شاشته السوداء،
وفوق ذلك الظرف [افتحني] مكتوبةٌ بالأحمرِ القاتم.
«وكأنني سأفتح هذا الشيءَ المثير للريبة.»
نقرتُ بلساني واضعًا اياه على المكتبِ مجددًا قبل أن أعود لما أفعل، رنينٌ آخر شدَّ انتباهي... وهذه المرة كانت الرسالةُ قد فتحت نفسها بنفسها دونما انتظاري كاشفةً عن حروف حمراء فاقعةٍ على خلفيةٍ سوادء.
[السيد ناثان فالي المحترم،
يسعدنا ابلاغكَ بأنَّ طلب نقلك إلى مكتب الفرع قد تمت الموافقة عليه. يرجى التوجه إلى الموقع المرفق يوم الخميس في تمام الساعة الثامنة صباحًا.
ملاحظة: سيتم اعلامك بتفاصيل السكن لاحقًا.]
«طَلب؟!» صرختي جعلت كلَّ عينٍ في المكانِ عليَّ. «مَن الذي قدمَ لكم الطلب؟!»
دونَ مزيدٍ من التفكيرِ في الأمرِ ذهبتُ إلى قسمِ المواردِ البشريةِ لأستفسرَ عن هذا الخطأ الجسيم... وكلُّ ما قابلني كانَ ردًا فاترًا من الموظفةِ المناوِبة.
«لقد تقدمتَ بطلبٍ صباحَ أمس، تمامَ السادسةِ وأربعٍ وثلاثين دقيقةٍ صباحًا عبر النظام.»
هذا الردّ جعلَ الكلماتِ تتوقفُ في حلقي وكأنها حجارةٌ مستعرة.
السادسةُ وأربعٌ وثلاثون—
ماذا كنتُ أفعلُ حينها؟
حادثُ المصعد...
حالما تذكرتُ مسحتُ وجهي، ثمّ ما لبثتُ إلا وسألتُ الموظفةَ مجددًا... أتشبتُ بحبل نجاتي الأخير.
«أهنالك طريقةٌ لإلغاء الطلب؟»
«لا.»
«فهمت... فلتحظي بيومٍ سعيد.»
مع كلِّ خطوةٍ خطوتها عائدًا إلى مكتبي، شعرتُ وكأنما أرى أملي في قضاء حياةٍ هادئةٍ وسهلةٍ يتلاشى في مهبِ الريح—
ذلك الأملُ الذي تشبثتُ فيه أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخرَ في حياتي.
وفقط حدسي أخبرني حينها أنَّ حادثةَ المصعدِ تلكَ كانتْ بوابةً لما هوَ أكثرُ شناعةً من مجردِ نقلٍ وتقليلِ رتبة... وصدقته.
=========
السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته يا قوم!
*مساحة ذِكرْ*
يس، انها ديان مجددًا. *كحم*
التحديث كل اثنين وخميس، حوالي التاسعة والنصف بتوقيت فلسطين.
القصة مفضلتي على الاطلاق، دونما شكٍ يوصف. وناثان شخصيةٌ لن تملوا منها أبدًا، خاصةً وأنه أشبه بكومةِ ألغازٍ متنقلة! حتى الشخصيات الجانبيةُ هنا لا تنفكُ تجعلني أقعُ في حبها!
كامل الحب! وكثيرٌ من القلوب الزرقاء!
كونوا بخير، وعسى أن تبقى قلوبكم خفيفةً لا يثقلها شيء.♡
سلام!
في رعاية الرحمن!🩵
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.