آڤياريـا
آڤياريـا
جزء 3 من 2
وضع القراءة:

الفصل الثاني: السَّدَف

علَّقت كفيّها أمام وجهها، حاجِبةً السَّدف الذي ضرَّب نافِذة غُرفتها عن عينيها. لكن أشعة الشمس كانت أكثر عِنادًا من تركِها تهنأ بالسُويعات القلِيلة التي تستطيع جُفونها فيها أن تنهب بِضعًا من النوم.
تنهيدة بدت أثقل من أن يحمِلها صدرها فرّت منها، لتستقِيم مُطأطأةً رأسها وأناملها تنسَاب على امتِداد خُصلات شعرها المُموج حتى أفلَتت منها أطرافُه قبل أوانها، لكِنها واصلت طريقها في الهَواء في لحظةٍ لم تُدرِك فيها أن الخُصلات الطويلة التي اعتَادت مُلامستها لم يعُد لها وجود.
أسنَدت كفَّها إلى مُؤخِرة عنقها، تُدلَّكها برفق. ثُم فردت ذِراعيها، ودَارت بجِذعها يمينًا تارةً ويسارًا أُخرى، فتعَالت فرقعةٌ خافِتة من مفاصِلها.
نَهضت عن فراشها بخُطا بطيئة قادَتها إلى الطابق السُفلي للمنزل، ولما أبعَدت يديها عن عينيها بعد أن فرغَت من فركهما، لم تجد مِيليا تُحضر طعام الإفطار كالمُعتاد، أو جُوناثَان يعبَث بأوارقه التي لا تنفَذ.
عثر القلق على طريقُه سريعًا إلى قلبها، فتسَارعت ضرباتُه، قبل أن تلتفِت قاصِدة باب المنزل بخطواتٍ مُتعثرة أسرع من تلك التي كانت تمتطيها قبل لحظات.
توقفت تلتقِط أنفاسها اللاهِثة عندما بلغت الحدِيقة، فحامت عيناها في الأرجَاء، وأخذت تلتَف بعجلةٍ حول نفسها، لعلهُما قد أفلتا من مجال رؤيتها.. لكِن مُجددًا، لم تعثُر على أحد.
هذه المرة لم تتحرك بخطواتٍ مُسرِعة، بل اندفعَت تركُض بكل قُواها نحو غُرفتهما. فتحَت الباب على مصراعَيه، ثُم جَالت بعينيها وقدميها في أرجائِها دون أن تترُك زاوِيةً إلا وفتَّشتها.
رفعَت الوسائِد عن الأريكة تُلقِيها جانِبًا، وضِيق أنفاسها يتفاقم دون أن تحمِل له بالًا، وحتى أفرِشة الأثاث لم تُبقها على حالها. بعثرَت الغُرفة بأكملها فانتَهت رأسًا على عقب.. دُون أن تجِد لهم أثرًا.
وفي يأسٍ أخير، نظرت أسفل الفراش أيضًا، لكن ما إن أدركَت خلوَّه حتى استسلَم جسدُها للعاصِفة التي كانت تُصارِع دفعها إلى الوَراء منذ اللحظَة التي فتحت فيها عينيها، فطرحَتها أرضًا.
"إيلِي؟ ماذا تفعلِين هُنا؟"
قالت مِيليا بلُطفٍ وهي تضع مفاتيحها على المِنضدة، بعدما وقع بصرها على إيلِيرا الجالِسة على الأرض، تُوليها ظَهرها.
انتَظرت منها جوابًا لكنه لم يأتِ. فتقدَمت نحوها والقَلق يُصاحِب خطواتها، وما إن انحَنت لتُصبح في مُواجهتِها، تجمَّدت ملامِحها.
كانت جُفونها مُطبقةً بإحكَام على عينيها، كأنها تهرُب من هزَّة أرضِيَّة تهزُّ كيان كل ما حاولت التَشبُث به يومًا.. وأنفاسها تخرُج منها مُبعثرة، فبدا كل شهيقٍ معرَكةً تخوضها لانتِزاعه.
جثَت مِيليا أمامَها على الفور، ونادَت بصوتٍ أخفَض لم تستطِع إخفاء الرجفَة التي تسللت إليه:
"إيلِي، افتحِي عينيكِ"
مدَّت يدها تتحسس وجنتَها بِرفقٍ تُحاول به أن تبعَث إليها طمأنِينةً تنتشِلها مما غرِقت فيه:
"أنا هُنا"
عندها فقط، انفَرجت جُفونها ببُطء. كانت عيناها غارِقتين في الدُموع، إلا أن دمعةً واحِدةً لم تجرُؤ على الفِرار من القُبضان التي شيَّدتها خلفَ أخِر ما تبقى من تماسُكها.
حدَّقت فيها مِيليا لبُرهة، قبل أن تقترِب مِنها رافِعةً كُمَّ ثوبِها لتُحرر برفقٍ الدُموع التي علقت في عيني إيلِيرا، وكأنها تُعينها على الإفلات من الأسر الذي فَرضته على نفسها.
بعدها غَمرتها بذراعيها إلى صدرها، وأخذَت تُربِت على ظهرها بلمساتٍ صامِتة، كانت كُل واحِدةً منها تهمِس بأكثر مما تتسع الحُروف.
بِالكاد استَطاعت إيلِيرا مُغادَرة المنزِل بعد أن تمسَّكت بها مِيليا بِإلحاحٍ كي تتناول الطعام، لكِنها أرخت حِبالها بعدما تذّرعت بأنها تُريد استِنشاق بعض الهَواء النقي.
كان رَبَض السَرْو، الذي تعِيش فيه إيلِيرا، أكثر أربَاض آڤيَاريا هُدوءًا ورُقيًّا. سُمّي بهذا الاسم لكثرة أشجار السَرْو الفِضي التي تُغطِيه مُقارنةً ببقيّة الأربَاض، حتى بَدت وكأنها حُراسٌ قُدامى يصطُفون على امتِداد طُرقاته منذ قُرون، تُراقب أغصانِها الرمادِية كل من يعبُر إلى داخِله.
المنازِل فيه واسِعة ذات واجِهات حجرِية مصقُولة بِعناية مُتْرَفة، ينسَاب الهَواء حولها حامِلًا رائحة خشبِيَّة خَفيفة تُشبِه رائحة المَطر من أشجار السَرْو التي تتسلل ظِلالها إلى النوافِذ المُرتفِعة والشُرف الهادِئة في صمتٍ مُهيب، تكاد تكُون خطوات إيلِيرا فوق حجارة الطرِيق هي الصوت الوحِيد الذي يُفسِد سُكونه.
وكان يُعرف بأنه موطِنًا للعدِيد من عائِلات الأُولارِيين ذُوي المكانة الرفِيعة في أراضِي آڤيَاريا السماوِيّة؛ فلم تكُن منازِله مُجرد بيوتٍ تأوِي سُكانها، وإنما شواهِدٌ على تارِيخ عائِلات ترصَعت أسماؤها بِالفخر، تتوَارث الأجنِحة والنُفوذ كما تتوارَث الأرض والدَم.
عِندما أحسَّت إيلِيرا بالحَصى الصغِير أسفل قدميها، علِمَت أن خُطاها الشارِدة قادَتها إلى رَبض الحَصى، ذلك النقِيض الجليّ للرَبض الذي تعِيش فيه؛ فلم يكُن يعرِف ذلِك الصمت الذي يُغلف السَرْو.
هُنا كانت معالِم الحَياة أكثَر صخبًا؛ امتَزجت أصوَات الأحادِيث المُتبادلة بين البَاعة والمُشتريين بوقع خُطوات المَارة وعجلَات العربات فوق الطُرقات غير المستوِيَّة التي يُغطيها الحَصى، ما جعل الربَض يبدُو وكأنه لا يعرِف السُكون إلا حِين يخلُد الجمِيع للنوم.
اتَّسعت الأزِقة بمساحات فسِيحة تفصِل بين المبانِي؛ فقد صُمَّمت لتمنَح الأُولارِيين مُتسعًا لفرد أجنِحتهم والتحلِيق بين المبانِي التي اصطَفت جنبًا إلى جنب، لا يفصِل بينها إلا أبواب خشبِية عرِيضة. كانت حِجارتها مكسُوّة بطبقةٍ عنِيدة من الرَمل كأنَّ الأرض ما زالت تُطالب بها، إلا أن ضجِيجها كان كافِيًا ليُخبر الطبِيعة أن الحَياة لم تُغادرها يومًا.
لم تكُن بضائِع الرَبض من الطَعام فحسب، وإنما كان تأوِي كل ما تدُور حوله حياة النُولارِيين: حوانِيتٌ تتراص فِيها سِلال الفاكِهة وغيرها من المَحاصِيل المُختلِفة، وأُخرى تفوح مِنها رائِحة الأعشَاب المُجففة التي يقصِدها من يشكُو من براعِمه، بينما تتنوع البَقية بين أقمِشة خفِيفة نُسجت بحيث لا تُشكِل ضغطًا على البراعِم في الأظهُر، وأحزِمة ودِعامات صُممت لِحمايتها أثنَاء العمل أو السَفر.
وفي الجِهة المُقابلة، دوّى رنِين المَطارِق على المعادِن المُتنوعة التي صيغَت منها مُختلف الأسلِحة، وقد تركَت الأجنِحة بصمَتها عليها هي الأُخرى؛ فإلى جِوار الخناجِر والسُيوف المُتعارف عليها، تراصّت أسلحةٌ امتدَّت شفراتِها بإنحناءاتٍ تُحاكي مخالِب الجوارِح، تُستخدَم عادةً للتسلُق، بينما اتخذَت الرِماح رُؤوسًا انقسَمت أطرَافها كما لو كَانت مناقِير طُيورٍ جارِحة في لحظة انقِضاضها..
وغيرُها من التفاصِيل التي كانت تدُور حول الأجنِحة والبراعِم، حتى وإن كان أغلَب من يتجولُون في الرَبض لا يملِكونها.
غير أن شيئًا آخر قد انتَزع انتِباه إيلِيرا من تفاصِيل الرَبض التي تَحفظها عن ظهرِ قلب. كانت الأصوات أقل مما اعتَادت، والمَساحات بين المَارة أكثر اتِساعًا، كأن شيئًا من روح الرَبض قد فُقِد. وما لبثَت تجُول بعينيها حتى انكشَف السبب أمامها؛ فقَد انتَشر أُولارِيين من جِناح الصقر بين الأزِقة بأعدادِ لم تألفَها، يُراقِبون الحركة في هُدوء.
لكِن أكثَر ما أثار ريبتُها، أولئِك الغِربان الذين يطُوفون في وضح النَهار، بأحنِحتهُم التي بدا سوادُها غريبًا تحت ضوء الشَمس؛ إذ لم تكُن مُصادفتهُم مُمكنة إلا في عُتمة الليل أو مُتوارِين في الظِلال.. فأيُّ أمرٍ بلغَ من الخُطورة ما يكفِي لاستَدعائِهم إلى العَلن؟
اجتَازت الزِحام حتى توقَفت أمام بوابة حدِيدية سامِقة الارتِفاع، تشابَكت قُضبانها مع أغصان شجرة الزيرَفُون العتِيقة التي بسطَت ظِلها فوق السُور الحجرِي المُحيط بالمَكان، حتى بدَت الشَجرة وكأنها تحتَضِنه.
وما إن عبرَت البوابة، حتى انقَطع ضجِيج رَبض الحَصى خلفها دُفعةً واحِدة، وكأنها أغلَقت بابًا يفصِله عن العالم. امتَدت أمام أنظارِها حدِيقة واسِعة نسبِيًا، شُقت بينها ممرات حجرِية ضيقة تتخلل أحواضًا لا تكاد تُحصى من الأعشَاب الطِبية.
ارتَفعت على جانِبيها رُفوف خشبِية تحمِل أوعِية فُخارية وقوارِير زُجاجية، جُففت داخِلها نباتات بألوانٍ وروائِح مُختلِفة؛ بَعضها يُرطِب البراعم حِفاظًا على حيويتها، وبعضها يُهدِئ البراعم المُلتهبة، أو يُسرّع من تعافِيها، وأُخرى لا تُصرف إلا للمُقبلِين على التطوع.
وفي الخَلف، تداخَلت رائِحة الزيرَفُون مع النِعناع البري والخُزامى، حتى بدا الهَواء نفسه أخفَّ مما كان بالخارِج.
استَقبلها صوتٌ مألُوف سبق صاحِبه:
"كيف كان صباحُكِ؟"
استَدارت إيلِيرا، التي كانت مُنهمِكة في تأمُل تفاصِيل حدِيقة آل لِيندن التي لا تمِلُ منها إطلَاقًا، نحو الذي يقِف خلف إحدى الطاوِلات الخشبِية، يفرزُ حِزمًا من الأعشَاب بيدين تتحَركان بِخفةٍ ودِقة، بينما بقِيت على كُمَّي قميصه ذو اللون العاجِي آثار مسحُوق أخضَر تُخبر عن أعوامٍ طوِيلة قَضاها بين تِلك الكائِنات الخَضراء.
"أفضَل من غيرُه"
أجَابت، ثُم ارتَمت على الأُرجوحة الخشبِية التي تتدلّى على جانِبيها سلّتان من الزنابِق البيضَاء؛ لم يُغيرهما كَايل مُنذ أن علّقهما لها ذات يَوم، بعدما لاحَظ أن ابتِسامتها لا تختفي كُلما وقعَت عيناها على تِلك الزُهور.
دَفعت الأرض بطرف قدمها، فراحت الأرجُوحة تتمايل في حركةٍ هادِئة، شارَكتها الزنابِق مع النسِيم من حولِها، بينما أسنَدت رأسها إلى الخَلف، تُحدِق في السَماء كأنها تُحاول أن تُطرُد أفكارها إليها.
لكِن جُذور أراضِي سِيلُور التي كانت تطفُو بين السُحب، كانت قد استأثرت السَماء الفسِيحة، حتى غَدت السماء أقلُّ اتِساعًا مما تحتاجُه أفكارها.
"هذِه طريقتُكِ إذًا لتخبريني أنَّه كان سيئًا دون أن تقُوليها؟"
لم تُعطِه جوابًا، دون أن تعرِف هي نفسها لما آثرت الصَمت؛ أكَانت لا تُريد التحدُث عن الأمر، أم كانت تُحاول إقناع نفسها بأنها لم تُغادر منزِلها كي تأتِي إليه، بل لاستِنشاق بعض الهَواء فحسب؟
ابتَسم كَايل لِصمتها الذي يعرِف أنها لا تتردد في الاختِباء خلفه عِندما لا ترغَب بالإجابة. وعِندما رفع رأسه نحوها للمرة الأُولى مُنذ جاءت، كان شعرُها القصِير هو أول ما خَطف أنظاره؛ تتنَاثر خُصلاته المُموجة، التي بالكَاد أصبَحت تتجاوز فكها، حول وجهها وعُنقها. أما الخُصلات التي تخلّت عنها للمَقص، فقد بَهت سوادِها على ثِيابها انتِقامًا لها.
"يبدُو أنني أصَبتُ التخمِين"
قال كَايل، بينما يجمَع الأورَاق اليابِسة التي فرزها، قبل أن يُلقِيها في سلة المُخلفات القرِيبة.
دَفعت بقوةٍ أكبر، فارتَفعت في أرجحتِها أكثَر، كأنها تركُل الأرض نِيابةً عن تخمِيناته التي لم تُخطِئها يومًا.
"وما الذِي يجعلُك تظُن ذلِك؟"
لم يلتفَت إليها وهُو ينفض ما علِق بكفَيه من بَقايا
"أنتِ تكرهِين اللون الأسوَد إيلِيرا، لا ترتدِينه إلا حِين تكُونين في مزاجٍ عكِر"
حَشرت قدمَيها في الأرض، لِتتوقَف الأُرجوحة عن الحركَة
"أتعلَم؟ أكره حين تجعلنِي أشعُر بأنني كِتابٌ مفتُوحٌ أمامُك"
تَعالت ضحِكته التي أفلتت مِنه عُنوةً، فقلبت عَينيها بِضجرٍ مُصطنَع تُخفِي به ارتِياحها لأنها لم يُصرّ على سؤالها عن سبب سوء صَباحها أو تعكُر مزاجها.
ثُم جلَس بجوارها على مقعد الأرجوحة، الذي بالكاد اتَسع لهُما معًا
"شُكرًا صديقَتِي"
التَفتت له بإستِغراب:
"على مَاذا؟"
أشَار بطرف عينه إلى الأرجُوحة الساكِنة
"لأنكِ أوقفتِها من أجلِي"
رَمقتهُ بالنظرة التي كان ينتظِرها منها، فقد تعمّد أن يُثقل كلِمة 'صدِيقتي'، ويمنَحها من التِلقائية ما يكفِي لإغَاظتها.
شرع هُو بِدفع الأرجُوحة لتعُود إلى رقصتِها الهادِئة، بينما رفعَت هي ساقيها تضُمها إلى صدرِها، ثُم سَاد الصَمت بينهما للحظات، اكتَفيا خلالها بتأمُل سَماء آڤياريا، لكِنه لم يدُم طويلًا إذ نطق كَايل:
"يُوجَد الكثِير من الأُولارِيين اليوم"
عدّلت جلستها نحوه، وكأنها كانت تنتظِر أن يصِل الحدِيث إلى ذلِك الأمر
"لابُد أن يُوجدوا، بعد واقِعة الانفِجار بالأمس"
عقد ذراعيه أمام صدرِه، بينما يُميل رأسه نحوها مُستنِدًا إلى حافة المقعد
"كُنت أعرِف أن أمرًا كذلِك لن يفوتكِ"
"حسنًا، لم يفُتني بِالفعل، لكِن.." حكّت بسبابتِها خلف أُذنِها قبل أن تسترسِل "أعتقِد أن حماسِي قد سبقنِي قليلًا"
تحركت عيناه مع أناملها، تُلاحِقان تِلك العادة التي لا تظهَر إلا حين تخجَل، أو تتوتَر، أو تترَدد.
"دعِيني أُخمّن مُجددًا.. أقحمتِ رأسكِ في ورطةٍ، أليس كذلِك؟"
ازدَردت ريقها، ثُم ارتَسمت على شفتيها ابتِسامةٌ مُتكلَّفة
"إن كَان اللحاق بمن تَسببت بالانفِجار، والتي حَاولت طعنِي في قلبي، قبل أن يفُر حين أمسك قائِد الغِربان بِنا، يُعدُّ ورطةً.. فأجَل"
انتَفض كايل عند ذِكرها قائِد الغِربان تحديدًا، فانتفض ثانِيًا إحدى ساقيه فوق المِقعد، بينما بقيت الأُخرى مُتدلية
"وما زلتِ على قيد الحَياة؟!"
قالت بنبرةٍ ساخِرة:
"يبدُو أن الرِياح كانت في صفِي"
"أعرفُكِ جيدًا، ومع ذلِك أنا لا أفهمُكِ حقًا إيلِيرا، لا تُفوّتين فُرصةً للسُخرِية بِشأن القادة وعَقيدتهُم، ومع ذلِك تتشَبثين بالتطوُع وكأنه سبب وجودُكِ"
تَنهدَت، وشَردت عيناها بعيدًا عن كَايل
"هل ستُصدقنِي إن أخبرتُك أنني أيضًا لا أفهم نفسِي؟"
عاد الصَمت يتسلل بينهُم من جدِيد، لكِنها من تولّت طردُه تِلك المرة:
"لكِن هُناك شيئًا لا أفهمُه"
مَال نحوها مُستندًا بكُوعه إلى حافة الأرجُوحة، بينما استَقرت وجنته على راحة كفِه، وعيناه لا تُفارِقانها.
"مَاذا؟"
"لِماذا لم يُطارِدها؟ أعني.. إنه قائِد الغِربان. في أسوأ الأحوال، حتى لو تمكنت من الهُروب منه، كان سيستطِيع على الأقل رُؤية وجهها، بدلًا من أن يزجَّ بي في تحقيقٍ أنهال عليّ بأسئِلته"
أنهَت كلماتها بنظرةٍ مُحتنقة، وقد عاد إليها وجهه، ومعه تِلك الرغبَة العارِمة التي اجتَاحتها حينها لتسدِيد لكمةٍ له.
"ومن أخبركِ أنه لم يُطارِدها؟"
عقدَت إيليرا حاجِبيها مُستفسِرة:
"مَاذا؟"
"عُثوره عليكُما يعني أنه طارَدها بالفِعل، لكِن رُبما أدرَك أن وجهكِ أهم لدِيه من وجهِها"
عَبست مُستنكِرة:
"كَيف؟"
"أعنِي لعله أدرَك أن اللحاق بها لن يمنَحه شيئًا مُقابِل الوقت الذي سيهدرُه، والجميع يعلم كم يكُون الوقت الذي يعقب الفوضى حساسًا. أما أنتِ، فكُنتِ قريبة منها، وأخر من اشتَبك معها؛ فاستِجوابك كان سيمنحه معلومات أكثر مما سَتمنحه مُطاردة شخصٍ يبدُو أنه يعرِف كيف يختفِي في ثوانٍ"
ازدَاد عبُوسها؛ لا لأنها لم تقنِع بتحليلُه، بل لأنه بَدا منطِقيًا إلى حدٍّ أزعَجها
"لا تُفسِد علىّ غضبِي بالمنطِق"
فرّت من بيت شَفتيه ابتِسامةٌ صغِيرة، قبل أن يقُول:
"أُحاول فقط أن أنظُر إلى الأمر بِعين قائِد، لا بِعين من كان في قلب الفَوضى"
"حسنًا حسنًا"
قَالت ثُم سكتت لبُرهة، وخلال صمتَها، لمح انكِماشةً خاطِفة عبر ملامِحها، أعقَبها تحريكها لكتِفها، كأنها تُحاوِل التخلُص من ألمٍ خفي؛ فتركَ استرخاءه مُعتدِلًا في جلستِه
"ما خطبُ براعمُكِ؟"
"أشعُر بوغزةٍ حارّةٍ فيها"
نَهض قاصِدًا الوقُوف خلفها، لكِنه توقَف بعد أُولى خطواتِه
"هل تَسمحين لِي؟"
أومَأت أذنةً له، فمدَّ أطراف أنامِله، مُبعِدًا حافة قمِيصها، الذي كان بِلا أكمَام، عن موضِع البراعِم بِرفق، ثُم أمعن النظر فِيهُما.
"أشعُر بوغزةٍ حارّةٍ فيها"
امتدَّ شقَّان رفِيعان على جانِبي عمودها الفقرِي، يبرُزان عن الجِلد بانتفاخٍ طفِيف، وقد احمرَّت حوافهما على غير المُعتاد، حتى بدا موضِعهما مثل جرحٍ مُلتهِبٍ نسيّ كيف يلتئِم.
"براعِمُكِ مُلتهِبة بالفِعل. يبدُو أنكِ مُتوترةً جِدًا من أن يتم تصفيتُكِ غدًا"
ابتَعد بعدما أسدَل قميصُها فوق براعِمها بحرص، ثم اتّجه نحو الرُفوف الخشبِية المُمتدة على طول الحائِط، حيث تراصَت عشرات العُلب المعدنِية مُختلِفة الأحجَام التي تحفَظ المُستخلصات العُشبِية، مُذيَّلة بعلاماتٍ صغِيرة تُميز مُحتواها. جال بِعينيه بينها لبرهة، قبل أن ينتقِي إحداها، ويعُود بها إليها.
تنَاولت العِلبة من يديه، ثُم علقَت مُحاولةً أن تجعَل الأمر أقلُ وطأة:
"لن تكُون مرتِي الأُولى"
عاد كَايل إلى الجُلوس بجوارِها، وعيناه لا تُفارِقان عينيها الكَهرمانيتَين؛ كان فيهما شيء يُشبه شُعلة مُلتهِبة اعتَادت أن تُخفِي خلفها كُل ما يؤلمُها.
"لكِنها قد تكُون الأخيرة"
رفرفت جُفونها سرِيعًا، طارِدةً تِلك الأفكار قبل أن تجِد لها مكانًا في ذِهنها
"ولا يُخيفُني سوى ذلِك: أن تذُبل براعِمي وأفقِد فُرصتِي الوحيدة في الوصُول إلى السَماء"
أمَال كايل رأسه قليلًا، شارِدًا للحظاتٍ قبل أن يقُول
"إنه أمرٌ غرِيب، ألا تظُنين؟"
"أي أمرٍ تقصد؟"
"أن يخشَى المراء فُقدان ما لم يملُكه يومًا، وأمام شخصٍ قرر بمحضِ إرادته ألَّا يملُكه" ثُم لَان صوتُه وهو يُضيف: "لكِن رُبما لِهذا السبب بِالذات، أعلم أنها تعنِي لكِ أكثر مِما تعنِيه لغيرُكِ"
لاحَت حِيرةً على نبرتِها حين قالت:
"ما زِلتُ لا أفهَم كيف يُمكن لشخصٍ أن يملُك فُرصةً لبلُوغ السماء، ثُم يُدير لها ظهرِه؟"
رَاحت عيناه تجُول بين نباتات الحدِيقة، كأنهُما تعُودان إلى موطِنهُما بعد أن اختلسَتا منه شيئًا من خُضرته
"لأنني لم أشعُر يومًا أن السَماء مكانٌ أنتمِي إليه، في حين أنني أشعُر بذلِك تجاه الأرض"
رمقتهُ بنظرةٍ لم تستطِع أن تُخفي ما امتَزج فيها من استِغرابٍ وأُلفة، ثُم هزَّت رأسها وهي تُتمتِم:
"ستظلُّ أكثر شخصٍ مهُووس بالنباتَات عرفتُه في حياتيِ"
رمقتهُ بنظرةٍ لم تستطِع أن تُخفي ما امتَزج فيها من استِغرابٍ وأُلفة، ثُم هزَّت رأسها وهي تُتمتِم:
"ستظلُّ أكثر شخصٍ مهُووس بالنباتَات عرفتُه في حياتيِ"
اتَّسعت ابتِسامته، ولمعَا عيناه كأنها أثنَت عليه بدلًا من أن تسخَر منه
"ما رأيُكِ أن يجعلكِ ذلِك المهُووس بالنباتَات تقترِبين من السمَاء؟"
ضيّقت عينيها غير مُصدِّقة
"هل تَسخر مني؟"
وثب على قدمَيه، ثُم التَقط إحدى وردَات الزُنبق الأبيَض من السلة المُعلَّقة بالأرجُوحة، ومدَّها إليها
"بما أنكِ لا تُحبين الوداع، فدعِي الزُنبقة تتولّاه نِيابةً عنّا.. وتعالي نُقرِّبها من السماء"
جلس جُوناثان على حافة سرِير إيليرا، ظهره مُنحنٍ، ويداه مُتشابكتان، كأن كل خيبات العالم عالِقةٌ بين أصابعه.
جلس يتنفس بثُقل، وكأن جسدُه يُحاصِر أنفاسه. كُل عضلةٍ مشدُودة، كل شُعور مكبُوت، وكل ضِيق احتَجزه خلف جُدارنِ صمتِه، كان يُقاومه بصعُوبة كي لا ينفلِت.
ولِلحظة، بدَا كُل شيءٍ ساكِنًا، إلا ذلِك الانفِجار الذي دوِى بداخِله دون أن يسمعُه أحد.. سِوى زوجته العزِيزة، مِيليا.
لم يكُن صوتًا بلغ أُذنيها، ولا ارتِجافةً رأتها بعينيها، لكِن شُعورًا ما بِداخِلها قادَها وهي تقتفِي أثر غِيابه إلى غُرفة صغيرتهُما. وحين أطلَت من البَاب المفتُوح، وجدته جالِسًا كما لو أن العالَم انهَار فوق كتِفيه، فتقدَمت في صمتٍ وجلسَت تُجاوره.
"هل ستجعَلها ترحل دُون أن تُودِعها؟"
تنهد بشدّة، كأن السُؤال لم يصطدِم بأفكارِه فحسب، بل بشيءٍ أعمَق يُحاول دفنُه بداخِله مُنذ زمن
"الوداع يُعلق الأرواح على حِبال الأوهَام"
نظَرت إليه طويِلًا قبل أن تُجيب:
"تقسُو عَليها.. وعلى نفسُك كثيرًا، جُوناثان"
أدَار وجهه قليلًا، مُتبعدًا عن ناحِيتها
"ليست هذه إلا قُسوة الحَياة، مِيليّا"
تنَهدت هي الأُخرى، ليس لتمسُكه الصَلب بمُعتقداته؛ لكِن لأنها شَعرت بالحُزن الذي تسلّل من بين كلماتِه رُغم مُحاولاتِه المُستميتة لإخفائِه.
"أعلم أنك تغضَب مِنها دومًا لأنها عنِيدة، شرِسة في التمسُك بمُعتقداتها والدِفاع عنها" توقَفت لِلحظة، تبحَث عن طريقة تُخفف بها ثُقل الأجواء "لكِنه شيءٌ من الإرث العائِلي الذي يجرِي في دِمائِها فحسب. أنا ورُوينا عانَينا من آل آرسِيل في الأيام الخوالِي، أتذكُر؟"
لم يتمكَن جُوناثان من كتم الضِحكة الخافِتة التي أفلَتت منه، ثُم مال بجذعه إلى الأمام، وأسنَد ذِراعيه إلى رُكبتيه قائِلًا: "ولِهذا بالتحدِيد" أخفَض صوته كأنَّ الكلمات التالِية خرجَت من عُمقٍ سحيقٍ "أُريدها أن تُحيّد مسارها. كي لا تنتهِي بالمصِير نفسه الذي انتَهى إليه أخِي"
"لا تسلُك كُل الحِكايات الطُرف نفسه، جُون. حتى لو اتَّبع اثنَان الطرِيق ذاته، لا يعنِي ذلِك حتمِيّة وصولهُما إلى النِهاية نفسها"
"حتى لو كان لِذلك الاحتِمال وُجود" تَنهد مُسترسِلًا: "فقطعًا لن يُكتب في حِكايةٍ تُسرد في آڤيَاريا"
وضَعت مِيليا راحة كَفيها على قبضة زوجِها، تُربت عليها بِلمساتِها الحنُونة
"أفهَم أنك تُريد حِمايتها، حتى أنا أُريد ذلِك، لكِن أحيانًا تكُون الحِماية الحقِيقية هي السَماح لها بأن تختَار.. حتى لو أخفَقت"
ظلَّ صامِتًا للحظة، قبل أن يقُول:
"تعلَمين ما الذي يُؤلِمني دون غيره؟ يقِيني بأنها ستستَطِيع تحمُل عواقِب قراراتُها.. لكِن أنا لن أستطِيع"
اضطَربت أنفاسُه قليلًا قبل أن يُكمِل:
"في كُل مرة أُفكر أنها قد تسقُط أو تفشَل، أشعُر أن جُزءًا مني سيمُوت معها"
لم تُجبه مِيليا فورًا. سَحبت أنفاسَها بهدُوء، تُرتِب الكلمات حتى لا تُصيب جرحًا بدل أن تُضمده، ثم مالت نحوه قليلًا، وقَالت بصوتٍ مُنخفِض وثابِت:
"أعلَم أنك لا تخافُ عليها لأنها ضعِيفة، وإنما لأنكَ أنت من ينكسِر حين تتألم.. تخاف من وجعِك، لا من عجزِها"
رفعَ عينيه إليهَا، فتَابعت دون أن تُشيح بنظرِها:
"لكن إن مَنعتها من الذَهاب خوفًا عليها من السُقوط.. فلن تحمِيها، بل ستسرِق مِنها روحها، وتترُك لها جسدًا فارِغًا لتعِيش به. أما إن سَمحت لها بالطَيران.. رُبما ستنكسِر، رُبما ستتألم وستأخُذ قِطعة من رُوحك معها، لكِنك ستمنَحها فُرصة أن تعُود من جدِيد، وأن تتمسِك بيدكِ التي تركتَها مُمتدة لها"
ثُم هَمست، وكأنها تُلقِي اعتِرافًا أخيرًا:
"لا أحد مِنّا يخرُج من الأُبوة أو الأُمومة سالِمًا يا جُون.. لكِننا نخرُج منها صادِقين"
ظلَّ مُحدِقًا في الفَراغ، وقد بدا جسدُه أكثر استِرخاءً مُنذ مجِيء مِيليا، إلا أن عينيه بقِيتا جامِدة، كأنهما تعلّمتا الصُمود أكثر مِما ينبغِي.
لم يرمش، لم يختنِق صوته، ولم يفعَل شيئًا يُوحي بالانكِسار حِين خانته عَيناه. لم تسقُط الدمعة اندِفاعًا، بل تسلّلت ببُطءٍ مُذل، كأنها انتُزِعت من كِبربائه انتِزاعًا، وانحَدرت على وجنته دون إذنٍ منه، لتستقِر أخيرًا على كفّي مِيليا اللتين تُعانِقان قبضته.
تجمّد؛ لأن تِلك القَطرة الصغِيرة أعلَنت ما لم يجرُؤ يومًا على الاعتِراف به: أن هذا الرجُل، الذي لطالما أشَاد العالم بصُموده، انهزَم الآن أمام فِكرة فُقدانِها.
أطبَق عينه، كأخر دِفاعٍ يملُكه. رفعَت مِيليّا ذراعها، تُربت على عاتِقه بلِين، لا لتُواسيه فحسب، وإنما لتحفَظ سرَّ تلك الدمعة، كما تحفَظ كل ما عجِز عن قوله.
مدّ لها كايل ذِراعه لستنِد إليها وهي تهبِط عن ظهرِ الحصان، لكِنها قفزَت إلى الأرضِ مُتذمِّرة، ثُم أخذَت تنفض التُراب عن ثِيابها:
"كُل هذا الوقت لتأخُذني إلى سُفوحِ الجِبال؟"
أنزَل ذِراعه التي ظلَّت مُعلقة في الهواء لحظة، ثم نظَر إليها كاتِمًا ضحكته:
"كِدنا نصِل"
اتجه إلى شجرةٍ هزيلَة، وشدّ لجام الحصان إلى جذعها، ثُم استدَار وبدأ بصعُود المُنحدر على ساقيه، بينما لحقَت به إيلِيرا دُون أن تكُف عن التذمُر.
لم يكُن المكان قرِيبًا من أيٍّ من الأربَاض؛ فقد قادَها كايل على حصانه نحو سِلسلةٍ شاهِقة من الجِبال، نادرًا ما تطؤها الأقَدام، تمتدُ شمال آڤياريَا، كأنها جدارٌ حجريٌّ هائِل يفصِلها عن حُدود الشمال.
هُناك، أخذَت أصواتُ الحياة تتلاشَى خلف القِمم العالِية، والتفَّت النباتات الكثِيفة حول السُفوح والمَمرات الضيِّقة، حتى لم يبقَ سِوى صوت صفِير الرِياح وهي تعبُر بين الصُخور.
وعلى عكس إيلِيرا، التي فضحَت نظراتها أنها لم تسلك هذه الدُروب من قَبل، كان كَايل يسِير بين المَمرات مُهتديًا بين طُرقاتِها التي اعتَادها؛ مُتنقِلًا بينها بثقةٍ تُجنِّبه مَسارات أسراب الأُولارِيين التي اعتَادت تمشِيط تِلك المنطِقة.
فقد قَادته رحلاته مِرارًا إلى تلك المُرتفعات بحثًا عن أعشابٍ لا تنمُو إلا بين المُرتفعَات البارِدة، لكنه هذه المرة لم يكُن يقصِد ما ينمُو بين الصُخور، بل مكانًا مُختبِئًا عن أعيُن الجمِيع.
كُلما ارتَفعا أكثَر، انسَحبت معالِم آڤيَاريا من حولهما؛ تراجَعت الطُرق، وتوَارت الأبنِية خلف، حتى لم يعُد يظهر سِوى امتِدادات الجِبال والسُحب المُتناثرة عند القِمم.
استَمر طريقهُما لِما يُقارِب النِصف ساعة، كانا خلالها قد توغَلا بين الجِبال، حتى اختَفيا تمامًا عن الأنظَار. وحِين كاد صبرُ إيليرا ينفَذ، توقَف كَايل أخيرًا وقَال:
"وَصلنا"
عقَدت حاجِبيها وهي تَتطلع إلى ما أمامها، غير مُدرِكة ما الذي يستحِق كل تِلك الرِحلة، فلم ترَ سِوى كُتلةٍ خضرَاء هائِلة، بدت كشجرةٍ ضَخمة بلا جِذع، التَحمت مع إحدى الجِبال حتى خُيِّل لها أنها جُزءٌ مِنه.
تقدَم كايل نحو أحد جوانِبها، وأزَاح طبقةً كثِيفة من النَباتات المُتدلِية، فانكشَفت خلفَها فتحةً ضيِّقة في جِدارٍ حجرِي جعلتها تُدرِك أن ما ظنته شجرةً، لم يكُن سِوى بُرجٍ حجرِيٍّ شاهِق العُلو، غطَّت النَباتات جُدرانه بالكامِل، وتدلَت من أعلاه ومن بين شُقوقه أغصانٌ كثِيفة حَجبت هويتُه تمامًا.
"مَا هَذا؟"
سألت وهي لا تزَال تتأمل البُرج في ذُهول.
"لِنصعد.. وستعرَفين بنفسكِ"
قالها كَايل وهو يتقدَم نحو الفَتحة، مُشيرًا لها أن تَتبعه.
وما إن عَبرتها بمُساعَدة كَايل الذي ظلَّ ذراعه مُعلقًا كي يُبعِد غِطاء النَبات عنها، ظهرَ درجٌ حلزُوني قدِيم، يمتَد داخِل البُرج صاعِدًا نحو الأعلى في عتمةٍ لا يُبددها سِوى خُيوط باهِتة من النُور التي تَسللت عبر الشُقوق التي تركَتها الحِجارة والنَباتات المُتشابِكة.
لم يكُن يتردد في جوف البُرج سوى وقع خطواتهما على الدَرج الحجرِي، بينما الضَوء يتناقِص والرطُوبة تزدَاد مع كل درجةٍ يقطَعانها، ورائِحة الحِجارة العتِيقة والنَباتات تُصبِح أكثر قُوة، حتى تَكاد تستبدِل الهَواء في رِئتَيها، ما جعلها تعُود لتذمُرها:
"أنت تُدرِك أن هُناك طُرقًا أسهَل لِقضاء آخر يوم قبل التصفِية، أليسَ كذلِك؟"
قال بصوتٍ لم يكُن أقل اختِناقًا منها:
"أجَل، تمامًا كما أُدرِك أنكِ لا تُفضلِين الطُرق الأسهَل"
ابتَلعت كلماتِها في حلقِها، واكمَلت الصعُود خلفه دُون اعتِراض. كَانت الدَرجات لا تكُف عن الالتِفاف، حتى ظنَّت أنها بِلا نِهاية، وفقدَت إحساسها بالمسافة، فلم تعُد تدرِي كم ابتَعدا عن الأرض..
توقَف كَايل عند آخر الدرجَات، ثُم ثبتَّ ذراعه على بابٍ خشبيٍّ مُتهالِك، ودفَعه إلى الخارِج؛ فاندَفعت الرِياح إلى الداخِل دُفعةً واحِدة، مُبدِدة رائِحة الرُطوبة الخانِقة في لحظةٍ ارتَطم فيها الهَواء البارِد بوجه إيلِيرا المُتعرِق، التي أغتَنمت الفُرصة وأخذَت نفسًا عميقًا تُعيد به إحياء صدرِها.
صعدَّ هُو أولًا حتى أختَفى من مرأى نظرِها، فلحِقت به. وما إن تجاوزت عَتبة البَاب، انسَكبت السَماء فوقها في اتساعٍ لم تعهدهُ من قبل، حتى بَدا لها أن الفاصِل الذي أصرَّت آڤيَاريا دومًا على الحِفاظ عليه بينهُما قد تَلاشى، ولو لبرهة.
كانت قِمةٌ البُرج فسِيحةً بما يكفِي للوقُوف والتجوُل، يُحيط بِها سُورٌ قصِير لا يتجَاوز جذعها، حُفرت بين أحجاره زخارِفٌ مَحا الزمن أطرافِها، لكنّها احتفَظت برونقِها عِنادًا.
اقتَربت من السُور، حيثُ استَند كَايل مُتأمِلًا ملامحها التي كَساها الذُهول لما تَرى: أربَاض آڤياريا التي لطالما ظَنت أن مساحَاتُها لا تُقصى، أصبَحت ضئِيلة على نحوٍ لم تتخيله يومًا، ما جعلها تشعُر أن آڤياريا بأكملِها يُمكن احتواؤُها بنظرةٍ واحِدة.
في حين كانت جُذور أراضِي سيلُور التي تطفُو بين السَحاب أقرَب مما اعتَادت رؤيتها، وكان صوتُ الأجنِحة البعِيد ما أعادها إلى الواقِع وأقنعها أن ما تراهُ ليس حُلمًا.
أدَامت إيلِيرا التحدِيق في الأُفق، كأنها تخشَى أن يختفِي إن رمشَت
"لم أكُن أعرِف أنها تبدُو هكذا"
أرَاح كايل ساعِديه فوق السُور مائِلًا بجذعِه الطوِيل، وحوَّل أنظارُه إلى الامتِداد نفسه الذي كانت تتأملُه
"لأننا اعتَدنا النَظر إليها من الأسفَل"
توقَفت عيناها عن مُعاينة تفاصيِل المشهَدُ الخلاب الذي أمامها، واستَكانت لجُذور سيلُور المُعلقة
"الآن بدأتُ أفهَم لِما يُبعدنا الأُولارِيين عن السَماء.. لو كانت موطِني، لما شاركتُها مع أحد"
وقعَت عينيها على تِيران؛ الحِصن الهائِل الذي يتخِذه الأُولارِيين مقرًا لهم على الأرض، والتي بَدت أجنحته الضخَمة من ذلِك الارتِفاع كسهمٍ حادِ غُرِس في صدرِ السَماء.
سَألت، دُون أن تُبعِد أنظَارها عنه:
"هُناك إذًا.. سأقضِي شُهورِي القادِمة إن لم تتم تصفِيتي غدًا؟"
هزَّ رأسِه:
"يبدُو أن أورَاق الزيزَفُون ستفتقِدُكِ"
التَفتت إليه، فوجَدته شارِدًا في الأشجَار التي غَطت السُفوح حولهما، فابتَسمت؛ لأنها لم تتفاجأ أنه حتى في لحظةٍ كهذه، يُفكِر في النَباتات قبل أي شيءٍ آخر:
"سأفتقِد أزهَار الزُنبق الأبيَض أيضًا"
"آه" هَمس عندما تذكَر أمرًا كان يُؤجِله.
أدخَل يده بين طَيات قمِيصه، وأخرَج زهرة الزُنبق البَيضاء التي التَقطها سابِقًا من سلة الأرجُوحة قبل مغادرتهما، ثَم مدَّها نحوَها
"لِهذا احتَفظتُ بِها"
نَظرت إلى الزَهرة بين يديه، ثُم رفعَت عينيها نحو خُصلات شعرِه التي بَعثرتها الرِياح، فلمَعت بلونٍ ذهبِي أثر سُقوط أشِعة الشَمس عليها.
تردَدت قبل أن تمُد يديها نحو الزَهرة، وظلَّ هو ينظُر إليها في صمتٍ، تارِكًا لها مساحةً لتقُول ما يتردد في صدرِها.
"أخشَى ألا أصِل إلى سيلُور يومًا، وأن أعُود إلى رَبض السَرْو كما سأُغادِره، أن أستَيقِظ بعد غد في غُرفتِي.. وكأنَّ شيئًا لم يحدُث"
انتَظر قليلًا حتى تأكد من إنها انتَهت من تفرِيغ ما في جُعبتِها:
"لذلِك جئتُ بكِ إلى هُنا"
نظرَت إليه مُستفهِمة، فقال مُوضِحًا:
"كُلما ظننتِ أن السَماء بعِيدة، تذكِري هذا المَكان فقط؛ تذكرِي كم أن الأشَياء التي ظننتِها بعِيدة، تبيّن أنها أقرَب مما تخيَّلتِ"
شدَّت أصابِعها برِفقٍ حول ساق الزَهرة، وانفَلتت منها تِلك الابتِسامة التي لا تُفارِق مُحياها كُلما رأت الزُنبق الأبيَض، والتِي على أثَرها، بادَلها كَايل الابتِسام أيضًا.
تَفشت العَجلة في أرجَاء رَبض الحَصى قُرب غرُوب الشمس؛ فالبَاعة يُسارِعون في لَمِّ بضائِعهم، والحَوانيت تُغلِق أبوابها شيئًا فشيئًا، والمُتجولون يعُودون أدراجِهم بعد أن قضوا حوائِجهم. إلا أن خُطواتٍ واحِدةً كانت تسِير عكس تَيار العابِرين، تُسارِع نحو أحد الحَوانيت التي خفَضت إنارتَها استعدادًا لإغلاقِ أبوابها
"مَساءُ الخير، سيِّدة مِيليا! خَشيتُ ألَّا تلحقِي قبل الجَرس"
استَقبلتها شابَةٌ بابتِسامةٍ مُرحبة، وهي تُزيح بعض الأغرَاض المُحيطة بها لتُخرج ما كانت تبحثُ عنه.
دلَفت مِيليا إلى الداخل، حيثُ كان الحانُوت أشبه بغُرفةٍ نُسِجت جُدرانها من الأقمِشة؛ بألوانٍ وطبقاتٍ مُختلفة اصطَفت فوق بَعضها البَعض، وقِطعٍ طوِيلةٍ مُعلقةٍ بين زَوايا السَقف، وأُخرى مُتدلِيةٍ حتى الأرض.
اختَلطت رائِحة القُماش برائِحة الزُيوت العطرِية التي اعتَادت صاحِبةُ الحانُوت وضعَها بين البَضائِع، فتمنَح المكان بريقًا إضافيًّا إلى جانِب الثِياب ذات التصامِيم الآسِرة للأعُين.
"أعتَذرُ لتأخُّري"
قالتها مِيليا بابتِسامةٍ واسِعة، تُحاول أن تستمِيل عذرها دون أن تنطِق به.
أخرَجت الشَابة الكِيس القُماشِي الذي كانت تقصِده، وناولتهُ إلى مِيليا التي جلسَت على كُرسي خشبِي قصِير، لتُخرِج ما بِداخله من ثِيابٍ وهي تفحَصها بإعجَاب:
"إنه كما أردتُ تمامًا! شُكرًا لكِ، ترِيس. ستُعجب به إيلِيرا كثيرًا"
ابتَسمت تِريس وهي تَرى رِضا زبونتِها، ثُم قالت بصوتٍ خافِت:
"أمُل أن يجلِب لها الحَظ الجيِّد.. سَنحتاجه جميعًا غدًا"
توقَّفت مِيليا للحظةٍ عند كلِماتها، ثُم عادت تتفَحص تفاصِيل الثَوبِ بهدُوء، حتى استَوقفها خيطٌ رفِيع خرجَ من عند كتِف القمِيص. مرَّرت أصابِعها عليه قبل أن تَرفع نظرتُها إلى ترِيس، وقد فهِمت ما لم تُصرِّح به
"تطوَعتِ أيضًا؟"
أومَأت فورًا
"أجَل"
هزَّت مِيليا رأسها بابتِسامةٍ صغِيرة
"أتمَنى الحَظ الوفِير لِكليكُما" ثم أشَارت إلى الخيطِ البارِز من الثَوب "لكِن، تَريس، انظُري إلى هذا"
تحرَكت ترِيس نحو طاوِلة الخِياطة، ثُم عادَت بمقصٍّ صغِير بين يدَيها. وقَبل أن تقترِب من مِيليا لتُصلِح ما لاحظتُه، أوقَفها صوتُ جامِد:
"ترِيس، يكفِي"
التَفتت كِلتاهُما نحو والِدة تِريس، التي خرجَت من الغُرفَة الخلفِية المحجُوبة بستارةٍ من القُماش، وعلى وجهها أمارات التهجُّم. حدَّقت بها ابنتُها في حِيرةٍ، لكِنها لم تمنحها فُرصةً لتنطُق ببنت شفة؛ إذ اقتَربت منها وسَحبت المقص من يدها بِفظَاظة.
"قُلت يكفِي"
التَحفت مِيليا برِداء الصمت بعد أن فهِمت من إهتِياجها ما لم يُقل، وهي تنتظُر بين ترِيس التي أخذَت تُجادِل والِدتها؛ فلم تكُن المُشكلة في الخيطِ الذي خرجَ من الثوب، ولا فِي المَقصِّ الذي كانت تِريس تحمله.. بل في اقتِرابها مِنها.
طوَّت الثِياب بِهُدوء، وأعَادت ترتيبها داخِل الكيس القُماشِي، ثُم نهضَت عن الكُرسي، قائِلةٌ بتمايُل مُتردِد لشفَتيها في إعلان نفسِه كابتِسامة، كانت نصِيبها من التوتُر الذي ملأ المَكان.
"لا بَأس، يُمكنني إصلاحُه لاحِقًا"
خفَّ الجِدال حين انتَقلت أنظارُهما إلى مِيليا، التي تَركت النُقود على الكُرسي الخشبِي الذي كانت تجلِس عليه، قبل أن تُضيف:
"شُكرًا على الثِياب. لقد أتممتِ عملًا جمِيلًا"
تردَّدت تِريس، وكأنها أرَادت أن تُقول شيئًا، لكن مِيليا اكتَفت بنظرةٍ قصيرةٍ إليها، ثُم اتجهَت نحو البَاب كي تُغادِر قبل أن يُطلب منها الرحِيل.
"لا ينقصُنا سوى شُؤم المُنقطِعين قبل التصفِية"
خرجَت الكلِمات من والِدة تِريس بصوتٍ بارِد وصلَّ إلى مسامِع المقصُودة دون أن تكُن بحاجةٍ إلى رفعه، فتوقَّفت مِيليا دُون أن تلتفِت، كأن خطواتها أصبَحت أثقَل من أن تخطُو بها ساقيها.
ثُم تجمَّد كُل شيءٍ حين دوَّى صوتُ الجرس في أرجَاء الرَبض؛ وانَقطعت الأصواتُ مُنسحِبة أمام رنينه الصاخِب، الذي سَارع على أثره الجمِيع إلى خطواتِهم الأخِيرة قبل الإغلاق.
شدَّت مِيليا قبضتَها على الكِيس القُماشي، ثم دَفعت الباب خلفها وغادرت بخطواتٍ مُتعجِّلة، كأنها تخشَى أن يسبقها شيءٌ آخر إلى الخارِج غير الكلِمات التي تُركت عالقةً في صدرها.
بينما ظلَّت تِريس تتبَعها بعينيها حتى غابت عن ناظِريها، ثُم استدارت بصمتٍ نحو الغرفة الخلفية، بعد أن رمقَت والدتها باستِياءٍ، دُون أن تلتفِت إلى صوتها الذي عاد يُلاحِقها بالتوبِيخ.
توقَفت إيلِيرا أمام البَوابة الحدِيدية لمنزِلها حين سمِعت صوت الجَرس، صوتٌ عمِيقٌ اجتَاح أراضِي آڤيَاريا كأنه زِلزالٌ انحَدر من السَماء، فاهتَّزت الُصدور قبل الآذان لِصداه، مُجبِرًا كُل شيءٍ على السُّكون.
رَفعت رأسُها بحركٍة تِلقائية باحِثةً عن مصدرِه، قبل أن تتذكَر أنه يصدُر من أراضِي آڤيَاريا السماوِيَّة؛ المعرُوفة بـ سيلُور أو السَماء كما يُطلِق عليها النُولارِيين.
تِلك التي لا يعرِف منها النُولارِيين سوى جُذورِها التي تطفُو فوق رؤوسهم مُنذ وُلِدُوا، كأنها هي الأُخرى تحرمهم من رُؤية السَّماء التي استَوطنها الأُولارِيين؛ المُجنحون الذين كانُوا يومًا نُولارِيين بلا أجنِحة مثلهم، قبل أن يختَارُوا طرِيق التَّطوُّع، ويجتَازُوا تدريباته واختِباراته، حتى بلغُوا مراسم التَّجنِيح، فنَّمت أجنِحتهُم من براعِمهم، وارتقُوا إلى السَّماء، حيثُ تبدأ حياةٌ لا يعُود بعدَها المرء كما كان.
شَعرت بانقِباضة في صدرِها، لا لِرَهبة الجرس، ولا لما يَبثُه من شعورٍ مُوحِش يجعل صوتُه أشبه بنِداء الأخِرة، وإنما لما يُعلِن عنه؛ أن سَاعات التصفِية قد بَدأت، وعلى جمِيع النُولارِيين في آڤياريَا المُكوث في منازِلهم، باستِثناء المُتطوعِين منهم، الذين سيُغادِرون مع أوَّل خيطٍ للفَجر.
أخذَت شهيقًا عميقًا ثُم زَفرتُه بتمهُل، طارِدةً أيُّ أفكارٍ قد تُفسِد عليها نومَها الليلَة. وما إن عبرت البَوابة، التَفتت لتُغلِقها، لكن رنِينًا خاطِفًا للأبازِيم التي تربُط أحزِمتها استَوقفها.
وعندما أحسَّت بالحِزام الجِلدي الذي يعبُر ظهرها قطريًا يُسحب فجأةً إلى الخَلف، تحرَك جسدها قبل عقلَها؛ فاستَدارت نِصف استِدارةٍ، مُندفِعةً بكُوع ذِراعها الأيمَن كما تَعلمت حِين يُباغِتها أحدًا من الخَلف.
لكنّ ضربَتها لم تُصِب شيئًا.. ففي اللحظة التي اندَفع فيها ذِراعها للخَلف، تركَ مُهاجِمها الحِزام الذي كان قد رفعه ارتِفاعًا كافِيًا لينطبِق فوق ذِراعها مُحكِمًا تثبِيتُه إلى جسدِها.
وقبل أن يَمنحها فُرصةً لسحبه إلى الخارِج بذراعها الحُرة، التَقط طرف حِزامٍ آخر مُتدلٍِّ من فخذِها، وأدارُه حول مِعصمها الأيسَر في حركةٍ خاطِفة، ثُم مرره خلال إحدى الأبازِيم المعدنِية للأحزِمة التي تلتَف حول خصرِها، وجَذبه حتى انشدَّ الجِلد على ذِراعيها، ليشل حركَتها تمامًا.
وهَكذا أسَرها بِثيابِها، دُون أن يمسَّها حتى بقِبضتِه.
علَّقت مُمتعِضة حِين رأت جُوناثان، الذي تعرَفت عليه من وقع تحرُكاته الخفِيفة، حتى قبل أن يكشِف نفسه أمامَها
"هذِه ليسَت عادِلة"
لم تتغير ملامِحه وهو يُجيب بهُدوءه المُعتَاد، مُتأمِلًا صنِيع يداه
"من يُهاجمكِ، لن يُقاتلكِ بقواعدك"
انقَبضت ملامِحها مُتأفِفة، ثُم حاولت جَذب ذِراعها اليُمنى بقُوة، فلم تتحرَك من مكانها. حاولت أن تُدير كتفها لتُرخي قبضَة الحِزام على ذِراعها، فازدَاد انطِباقه عليها. ورُغم ذلِك لم تستسلِم، وانتَقلت إلى أيسَرها تشدِهُ بعنفٍ أكبَر، فلم تحصد سوى احتِكاك الجِلد بالجِلد، نافِثًا حَرارةً لَسعتها.
وعِندما لَمحت تِلك الابتِسامة التي لا ترتسم على وجه جُوناثان إلا حين ينتصِر عليها، قهقهت على مضض:
"هَل هذِه طريقتُكَ للاعتِذار مِني يا عمِي؟"
عقدَّ كفيه خلف ظهرِه، فانتصَب قوامُه الطوِيل، الذي يسدِيه هالةً مِن الثِقة قبل أن تُعززها نبرَة صوتُه الغلِيظة
"إن استَطعتِ الإفلَات سأُفكِر بالأَمر"
شَرعت تستعِيد ما لقَّنها إياه من تِقنيات الدِفاع عن النفس، لكِن جمِيع محاولاتِها آلت إلى سُقوطها فوق بِساط العُشب الأخضَر الذي يكسُو حدِيقة المنزِل.
بصقَت ما علِّق بفمها من عُشبٍ وتُرابٍ على الأرض، وهي ترمُقه بنظرةٍ مُغتاظَة، سُرعان ما تلاشَت حين قفزت تلك الكلِمة إلى ذهنها، لتُلقيها على مسامعه بضحكةٍ جانِبية:
"جُونُو"
تَبددت ابتِسامةُ الانتِصار التي كانت تعلُو وجهه وهو يرمُقها بتَسلية عندما التَقط كلِمتها، فهَرع إلى فكِّ قُيودها، قبل أن يعُود لاستِقامته مادًا يداه إليها.
تشَبثت به لتستعِين على النُهوض، ثم تَمتَمت بامتِعاض:
"لا تُحتَسب!"
"حَسنًا.. لنعتِبرها تصفَيةً لِحساب تطوُّعكِ دُون إخبَارِي"
هزَّت كتِفيها مُتمتمة:
"لو كُنت لا تُعارِضني مِثل مِيليا، لأخبرتُك"
رَفع إحدى حاجِبيه مُستفهِمًا:
"هل كانت مِيليا تعرِف؟"
"أممم" هَمهَمت وهي تحكُّ خلف أُذنِها، باحِثةً عن كلماتٍ تُخرِجها من المأزِق الذي أوقعَت نفسها ومِيليا فيه.
"تتآمرَان مِن خلفِي إذًا"
"نَحنُ؟ مُستحِيل؟"
نَادى اسمها كامِلًا، بالنبرة التي لم يكُن يلجَأ لها إلا عندما يتيقَّن أنها تُخفي شيئًا:
"إيلِيرا نَاثانِيال آرسِيل"
ولم تكد آخِر حُروف اسمها تُغادر شفتيه حتى قالت دُفعةً واحِدة:
"كَانت تعلَم في كلِّ المرات التي تَطوَّعتُ فِيها"
"كم أنا مُمتنٌ لتكرُّمكِ بإخبَاري بنفسك هذه المرة"
حَامت بعينيها في الأرجَاء حين أوشَكت على فِهم ما يرمِي إليه، إلا أن رغبَتها في اليقِين دفَعتها إلى التساؤُل:
"كُنت تعلَم بالمَرات السابِقة؟"
هزَّ رأسه مُؤكِدًا شُكوكها بقوله:
"بكُلِّ مَرة"
سَكتت، لأنها لم تجِد ما تقُوله. واستَقر الصَمت بينهُما لوهلَة، لم يقطعه سِوى حفِيف الأشجَار يُداعِب أرجاء الحدِيقة.
تَنهد جُوناثان تنهِيدةً خافِتة، ثُم قال، وقد لانَت نبرته على غير عادتِها:
"هَذا لا يعنِي أنني غيَّرتُ موقِفي، لكِنني لن أدَع خِلافنا يكُون آخِر ما يبقَى بيننا قبل رحِيلُكِ"
توقف ليصُّب نظره عليها، فوجدها تُنصِت إليه بِعينيها قبل أُذنيها، وكأنها تخشَى أن يفُوتها من ملامِحه ما قد تعجَز كلِماته عن البوح به:
"لا أستطِيع أن أضمَن أنكِ ستعُودِين، لكِنني أُريد أن أضمَن أنكِ سترحَلِين وأنتِ تعلِمين أنني لم أغضَب منكِ لأنني أرَدتُ التحكُم فيك أو كسرُكِ.. بل لأن فِكرة خَسارتُكِ وحدَها كافِيةً لتكسِرني"
وحين أمعَنت إيلِيرا النظر في سَواد مُقلتيه، اهتَدت إلى الصُورة التي يَراها بها؛ أغلَى مما أقنَعت نفسها يومًا أنها تستحِق، وأثمَن منا ظنت أنها تكُون.
"لقد ربَّيتُكِ لأراكِ تكبُرين أمامي، لا لأتعلَّم كيف أُودعُكِ.. لِذا إن شعرتِ يومًا أن الطرِيق صار ثقِيلًا عليكِ، فلا تتحملِيه وحدُكِ.. عُودي إليَّ، أو اهمِسي بكلِمتنا فقط، وسأصلُ إليكِ، أيًّا كان المَكان، وأيًّا كان الثَمن"
ارتَجفت شفتاها ارتِجافةً خفِيفة، ولمعت عَيناها وهي تخطُو خُطوةً نحوه. خُطوةٌ واحِدة فقط، كانت كفِيلةً بأن تُلقي بها بين ذِراعيه، مُستسلِمةً لطمأنِينةٍ كَانت تبحث عنها طوال اليوم؛ فلم يكُن جُونَاثان يومًا عَمَّها فحسب، بل كان ملَاذها الآمِن؛ الرجل الذي أيقَنت أنه، مهما عظُم المأزق الذي ستَقع فيه، ستجِد عنده دائِمًا مُتسعًا تحتمِي فيه.
"كُنت أعلَم أن خلافكُما لن يصمُد حتى العَشاء"
استَدارا نحو مِيليا، التي كانت تقِف أمام بوابَة المنزِل تتأملهُما بابتِسامةٍ تولَّت إشراق ليلتهُم عِوضًا عن الشمسِ التي غَابت.
ثُم فَتح جُوناثان ذِراعه الأُخرى، فما كان لَها إلا أن تبتسِم وتخطُو إليهُما، لِتشاركُهما العِناق الذي بدا قادِرًا على أن يُؤجِل ما ينتظِرهم مع بُزوغ الفجر.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.