الفصل الأول
خوف، هذا ما كان يلمع بعينيه الجاحظتين حينها، لم يتخيل قط أن يجد نفسه يومًا بهذه الحالة، كانت الشكوك تجول في عقله عن قُرب أجله، تسببُ له وعكاتٍ تُلوّعُ روحهُ بين الحين والآخر. ثم هوى على الأرض تستقبله بسلام تام.
إنه "سالوت"، الجنيّ الذي ابتعد عن عشيرته، وانعزل برفقةِ أسرته وأتباعِهِ إلى وادي قرية "طوبة"، حيث تمكن من مبايعة "إحسان" مختار القرية، بعد أن أغواه بسلطة لم يحلم بها قط من قبل، وذلك على شرط أن يقدم له قرابين بشرية من شأنها أن تحافظ على صحته وشبابه دون أسقام، ومكّنه من فرض سُلطته أينما حلّ وشاء.
سرق "سالوت" نردًا من أحد الشياطين بعد أن لاقى مصرعه على يد عدوه، واستخدم ذلك النرد لصالحه واحتكره لنفسه فقط، دون معرفة أحد من بني جنسه، مما جعله يكتسب قوة هائلة وأتباعًا من مردةِ الجن، فتمكّن من خلق قبيلة تخصهُ وحده ليكون ملكًا عليهم، وبالتالي اتبعه القليل من عائلته طمعًا بقدرته على التحكم بمختلف الجن والعفاريت، ولكي يحافظ على مكانته خبّأ النرد عن أعين الجميع، ولم يُخبر أحدًا عنه سوى زوجته "سامياء"، التي أجبرت على ترك قبيلتها برفقته في سبيل ألا تخسر أبناءها الثلاثة.
بعد أعوام طويلة من الازدهار والرخاء، اضطجع سالوت على سرير الموت محاربا سكراته الأخيرة، وإلى جانبه ابنه الأكبر"ميمور" الذي أمسك بيده وترجاه بأن يطلعه على مكان النرد قبل أن يسلب ملك الموت روحه، ولكن سالوت كان عنيدا متمسكا بما يملك، ورفض
إخباره معتقداً أنه سيتخطى هذا الألم الفظيع وأنه سيعود لقوته السابقة ليتمكن من استخدام نرده الثمين كما يحلو له.
"أبي، أرجوك دُلني على النرد قبل أن ترحل عنا، تحدث يا أبي".
لفظها "ميمور" بقهر شديد، كارها طمع أبيه اللامتناهي، الطمع الذي جعله يحتكر النرد لنفسه بكل أنانية حتى وهو يشارف على المغادرة دون عودة جعل ميمور يكرهه أكثر من أي وقت مضى.
هزّ سالوت رأسه بالرفض لعجزه عن الكلام، مما جعل الغضب يثور في كل خلية تنبض في جسم ميمور فوثب على قدميه فاقداً أعصابه، ومع صرخات اليأس والغضب ضرب الأثاث الموجود بجانب سرير والده ثم التفت ورمقه بحقد قائلاً:
"لن أسمح للموت أن يأخذك قبل أن يصبح ذلك النرد بين يدي".
ثم دنا منه ينظر في حدقتيه المتسعتين من الصدمة ليكمل مع نظرة استعلاء وكره شديد لوالده:
"أنت لا تتصرف كأبٍ يترك ما لديه لخليفته، فلا تتعجب مني عندما لا أتصرف كابنٍ بارٍ، أنت لا تترك لي خياراً آخر يا أبي".
حين رأى سالوت تصرف ابنه البذيء والمفاجئ انكشفت له حقيقته الأخيرة، زادت حالته حرجًا وبدأ يصارع سكرات الموت بعذاب شديد لم تفصح عنه عينيه اللتين لمعتا بغشاء شفاف من الدموع يغطيهما، تحكي عن رُعبه من اقتراب أجله ومغادرة هذه الحياة.
لم يُلقِ ميمور بالًا لحال أبيه وظن أنه يتألم كالعادة فقط، لم يتخيل بأن هذا اللقاء سيكون آخر لقاء يجمعه معه.
تجول حول سرير سالوت بوجه صارم قد نال منه التوتر، كانت ملامحه تتغير كلما واتته فكرة عدم حصوله على ذلك النرد الذي من شأنه تحقيق غايته.
"يجب أن أحصل عليه، لا يمكن أن يضيع مني للأبد، يجب أن يصبح عندي قبل عودتهم". خاطب نفسه بصوته الذي امتزج بأنفاسه المضطربة، ثم انفجر عقله بصرخة مكتومة قد تسربت من خلال شفتيه تصحبها همهمات هلع واضحة، وكيف لا؟ وقد كان ينتظر بفارغ الصبر، لحظة امتلاكه ذلك النرد؛ حتى يظفر بالزواج بحبيبته الإنسية "أسمهان" التي حُرم منها كل هذه السنين بعد أن رفض والده مساعدته.
الدخول المفاجئ لكل من "راجوت، ومالك" بصحبة والدتهما "سامياء" جعل ميمور يبدل ملامحه المكفهرة إلى ملامح حزينة شبيهة لملامحهم ولكي يبعد الشبهات عن نفسه ذرف بعض الدموع لإتمام مسرحيته على أكمل وجه. وأضمر في داخله انزعاجه لوصولهم السريع، "اللعنة، لماذا عادوا بهذه السرعة؟".
"أبي هل أنت بخير؟".
سأل "مالك" بينما يتقدم بعد رؤية والده بتلك الحالة، لقد كان برفقة أمه وأخيه في زيارة لعمهم "جالوت" الذي يقطن في بلدة أخرى مع عائلته وأتباعه المخلصين، وحين سمعوا من أتباعهم الجن بتدهور صحة والدهم عادوا لقرية طوبة على عجل دون أن يلاحظ جالوت؛ خيفة في أنفسهم من تمرده واستغلاله حالة أخيه لينتهي به الأمر وهو يقلب الطاولة على رؤوسهم.
"لا تحاول يا مالك، فأبي المسكين لم يعد بمقدوره النطق بأي حرف".
بحزن شديد امتزج بِسُمّ الأفاعي قالها ميمور، لتسأله والدته باكية وهي تتوجه إلى جانب زوجها تحتضن يده مواسية له:
"ما الذي حصل يا ميمور، كيف وصل والدك لهذه الحال؟". سألت ابنها البكر وعيناها لم تفارقا وجه زوجها.
"لا أعلم يا أمي، لقد كان بصحة جيدة، بعد رحيلكم بساعات أصيب بوعكة شديدة ليسقط دون حراك".
بصوت حزين مشابه لصوت أمه أجاب ميمور وهو يرتدي على وجهه قناع البراءة.
"يجب أن نجد له قربانًا بأقصى سرعة، هذه هي الطريقة الوحيدة كي يسترد عافيته بشكل سريع".
تحدث راجوت بخوفٍ يمتزج بالغضب على حالة والده وهو يخاطب أخاه الأكبر ميمور:
"وهل تظن أنه بإمكاننا فعل هذا دون النرد الذي احتكره والدك لنفسه فقط؟".
زمجر في وجه راجوت ثم أشاح بعينيه جانبًا بعد أن شعر بأنظار الجميع ترتكز عليه، وعلم أنه كاد يفضح نفسه.
توسعت عينا راجوت بصدمة على ما سمعه، واقترب من والده سائلًا بنبرة هادئة:
"أبي! أين النرد؟ يجب أن نعلم أين هو كي نجلب لك قربانًا يخفف من وطأة ألمك وتسترد عافيتك".
وعلى سيرة النرد ارتبك مالك وشغل نفسه بالنظر إلى حال والده ليتذكر المحادثة التي دارت بين راجوت ووالدهم صباح هذا اليوم.
حيث كان مالك يتجول بأنحاء القصر وهو يشعر بالملل كعادته، وعندما مَرَّ من جانب إحدى الغرف الموصدة سمع صوتًا قد صدر منها، وذلك الصوت جعله يقف في مكانه وقد أخذ كل اهتمامه وتركيزه.
تميز مالك بصفتين، إحداهما مكشوفة للعلن، وهي: طيبة قلبه التي تشمل تسامحه وكرمه وحبه للمساعدة، أما الأخرى فكان قد احتفظ بها لنفسه فقط، ألا وهي: طبيعته التي تحاكي الشيطان بحد ذاته، مما يجعل لديه سببًا وجيهًا خلف كل فعلٍ يصدر عنه وأمرًا يخطط له.
وفي قرارة نفسه، لقد شعر دائمًا أن عدم قدرته على اكتساب حب والده الذي يرفض تقربه منه، بسبب شبهه القريب من خاله أزازير، فهو الآخر يخبئ خلف مظهره الجذاب وشكله الوسيم وصوته العذب حقيقة خفية اكتشفها سالوت بعد أن احتكر النرد لنفسه، حيث أظهر أزازير رغبته بالحصول على النرد، كونه كان أحد أتباع ذلك الشيطان، لكن سالوت رفض وخاصمه وحرم عليه وطء مملكته مستعينًا بقوة النرد، فاختفى أزازير من حياتهم وبدأ بحياكة مخططاته ببطء وعلى انفراد دون أن يُعرف له أثر أو مكان.
********
/الرواية متوفرة ورقي في مصر وتركيا/.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (8)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول