وضع القراءة:

الفصل الاول

توارَت الشمسُ خلفَ الأفق، وبدأت السماءُ ترتدي ثوباً من السواد. خمدَ ضجيجُ المدينةِ الصغيرة، فآوى السكانُ إلى دفءِ بيوتهم، هرباً من صقيعِ ليلٍ يعصفُ بالمنطقة ولا يرحم.
كان جالسًا على كرسيه الهزاز، الذي يطلق صريرًا مع كل حركة، في ذلك المنزل الكبير شبه المهجور، شارداً في ماضيه الذي يستحضره كل ليلة حتى طلوع الفجر، فقد مرت على تلك الحادثة أكثر من خمسمائة عام، ولا يزال يفكر بها وكأنها حدثت بالأمس.
دمعةٌ أعلنت استسلامها، فانزلقت من عينيه الذابلتين، وجرت على خده، لكن الألم الذي خلّفته في قلبه كان أشد من برودتها على بشرته. مسحها بغضبٍ؛ فهو لا يريد لتلك المشاعر التي دفنها في قلبه طوال هذه السنين أن تطفو على السطح من جديد، بعد أن أمضى وحيدًا كل تلك الأعوام في ذلك المنزل المظلم الخالي من الحياة.
أغمض عينيه، وبدأ يسترجع بعض مشاهد الماضي المرير، عسى أن يرى وجه المرأة التي أحبها حدَّ الجنون، المرأة التي كانت سنده، والتي كان يحتمي بها كلما ظلمته زوجة أبيه المشعوذة.
أخذته الذكريات إلى تلك الليلة التي بدأت فيها معاناته، وما زالت تطارده حتى اليوم.
«بُني، استيقظ! يجب أن نغادر بسرعة.»
اخترق هذا الصوتُ مسامعه وهو غارق في نومه، فانتفض مذعورًا، ثم رمق وجه مربيته بعينين لا تزالان مثقلتين بالنعاس، مردفًا:
«أماه، لماذا تبدين خائفة إلى هذا الحد؟»
«يجب أن نغادر، وسأخبرك في الطريق.» قالتها وهي تجول بنظرها في الأرجاء بذعر.
نهض من فراشه مطيعًا لأوامر مربيته، التي أحبها وعدّها أقرب الناس إلى قلبه.
أمسكت يده، وهرعت به عبر الأزقة السرية للقصر، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقد استولى عليها الذعر خوفًا من أن يُقبض عليه.
«أمي، إلى أين نحن ذاهبون؟» سألها بقلق، فتوقفت مربيته فجأة، مشيرةً إليه أن يصمت ويكف عن الكلام.
كانت ترقب ما أمامها بحدة، وكأن هواجسها تنذرها بشيءٍ يتربص في العتمة. قاطع تركيزها سؤالُه، وهو يرمقها بملامح حائرة، ممسكًا بيده شعلةً صغيرة تبدد شيئًا من الظلام المخيم على الأزقة.
«أمي، ما الذي يحصل؟»
نظرت إليه بعينين يملؤهما الذعر، وبينما كانت على وشك إجابته، اخترق جسدها سهمٌ شقَّ طريقه من قلب تلك العتمة.
سقطت على ركبتيها، وتجمعت دموع الندم في مقلتيها، وهمست بكلماتها الأخيرة: «سامحني يا إيفان، أرجو أن تصفح عني يا ولدي العزيز». ثم ارتمت على الأرض هامدةً دون حراك.
«إنه هناك! إياكم أن يهرب!» دوّى صوتٌ غليظ من بعيد، فانتفض إيفان، لا خوفًا منهم، بل لأن عقله لم يستوعب هول ما يحدث. فمنذ دقائق كان نائمًا في سريره الدافئ، يغزل أحلامه، وفي لحظة وجد نفسه وسط كابوس مرعب، يتمنى من أعماق قلبه أن يستيقظ قبل أن يفقد صوابه.
أصوات أقدامهم المتسارعة، وصليل السيوف وهي تُسحب من أغمادها، دفعته إلى أن يطبق كفيه على أذنيه، ثم جثا على الأرض وأغمض عينيه، رافضًا رؤية الأجساد الضخمة التي أخذت تتقدم نحوه.
أحاطه الجنود بسيوفهم، فصاح قائدهم، جاكسون، الأخ الأكبر لإيفان: «إلى أين تظن نفسك ذاهبًا أيها الخائن؟»
نظر إيفان إلى أخيه، وعيناه تفيضان بالدموع، ليصرخ الآخر بأعلى صوته: «ماذا تنتظرون أيها الحمقى؟ اسحبوه كما تُسحب البهائم، ودعوا كل من في القصر يرى حقيقة هذا الوغد. هيا!»
قيّد الحرس يديه، وبدأوا يجرونه عنوة، بينما كان يحاول جاهدًا أن يستقيم على قدميه، لكن وثاقه كان يعرقله في كل خطوة. سار خلفه أخوه جاكسون، يتبعه حرسه، يتبختر في مشيته وسيفه على كتفه، رافعًا رأسه زهوًا وهو يستعرض إذلال أخيه أمام الملأ، صائحًا: «لقد قبضتُ على الخائن!»
ثم توقف، والتفت إلى سكان القرية، موجهًا سيفه نحو إيفان، وعلى وجهه عبوس شديد، وقال: «هذا جزاء كل خائن، حتى وإن كان أخي».
ثم تقدم نحو إيفان، ووضع السيف على عنقه، مستمتعًا بمنظره وهو جاثٍ تحت قدميه.
مرر نصل سيفه ببطء على عنقه، قائلاً: «أقسم لو كان الحكم بيدي لقطعت رأسك الآن دون تردد». ثم نظر إلى الحرس، وأومأ لهم أن يأخذوه.
وعند اقترابهم من الديوان الملكي، أمر الحرس بالتوقف، ثم خطا نحوه بعد أن أعاد سيفه إلى غمده المربوط على خصره. أمسك الحبل الذي كان يقيد معصميه، وفتح الباب، ودخل بملامح متصلبة، ساحبًا إيفان بكل لؤم، ليرميه تحت قدمي الملكة لورا، قائلًا: «أتيتُ لكِ بالقاتل كما أمرتِ».
هبّت من عرشها، وسحبت سيفها لتضرب عنقه، فأوقفها صراخ الملك الغاضب: «هل أصابكِ الجنون؟ كيف تقطعين رأسه وهو ابني؟»
أدارت رأسها نحو الملك بوجهٍ غاضب، قائلةً: «والذي قُتل منذ قليل، أليس ابنك أيضًا؟»
نهض الملك ألكسندر، ضاربًا بكفيه على ذراعي عرشه بغضب، وتقدم نحو إيفان الذي كان ينظر إليهم بدهشة، فأمسكه من ياقته وجذبه نحوه، سائلًا بصوت جهوري، وقلبه يكاد ينفجر من شدة قهره: «أخبرني أيها الوغد، هل أنت الذي قتلت أخاك؟»
صرخت زوجته بحدة: «وتسأله أيضًا؟ بالطبع سيقول لا!»
«اصمتي!» صرخ الملك بأعلى صوته، فابتلعت حروفها فورًا، وراحت تنظر إلى ابنها، وقد تبدلت ملامحه؛ خوفًا من أن يغيّر الملك رأيه وتفسد خطتهم التي نفذوها بحذر شديد ليحققوا مرادهم.
اتسعت عينا إيفان دهشةً، لينطق بصوت متكسر: «هل... هل قُتل أخي؟»
لم يكد ينهِ كلماته حتى تلقى صفعةً من والده طرحته أرضًا.
«أبي، إنه يدعي البراءة كي يخدعك، لا تصدق تلك الدموع المزيفة!» قالها جاكسون، الأخ الأكبر لإيفان، بعد أن لمس ترددًا في ملامح الملك.
تنهد الملك، ثم خطا نحو عرشه وجلس، يرمق إيفان بنظرات تملؤها الكراهية، ثم صاح غاضبًا: «أصدروا أمرًا بنفي الأمير إيفان من هذه المملكة، ليعيش بقية حياته وحيدًا في المنفى جزاءً لأفعاله القذرة».
لم يرق هذا القرار لزوجته لورا، فقاطعته بصوت مرتجف: «هل تظن هذا العقاب كافيًا؟ يجب عليك أن تقطع رأسه وتعلقه على بوابة القلعة ليكون عبرةً لكل خائن!»
أدار عينيه نحوها، وقال بتهكم: «تعالي، اجلسي مكاني وأصدري الأوامر ما دامت قراراتي لا ترضيكِ».
خفضت رأسها إجلالًا له، مبررةً: «اعذرني، يا جلالة الملك، لم يكن قصدي الإساءة، بل أردتُ عقابًا يتناسب مع جريمته الشنيعة».
حدق في إيفان بملامح متجهمة، ثم قال لها بحدة: «يبقى دمي يجري في عروقه، ولن أسمح بموت أبنائي بيدي. أما المنفى... فسيجعل حياته جحيمًا يتمنى فيه الموت عند كل مغيب».
أومأ إلى الحرس الواقفين خلف إيفان، الذين كانوا يترقبون إشارته، فأمرهم بتجريده من كل ما يملك، واقتياده إلى المنفى فورًا.
أمسك الحرس بذراعيه، وبدأوا يسحبونه خارج الديوان الملكي، لكن إيفان قاومهم رافضًا الرحيل، وظل يردد جملةً واحدة زادت من غضب الملك: «أبي، صدقني، لم أفعل شيئًا! أنا بريء!».
بدا الملك مضطربًا للحظات، كمن يصارع شيطانًا في داخله، فأججت كلمات إيفان البسيطة غضبه.
سحب سيفه مستهدفًا رأسه، وقبل أن يصل النصل إلى عنقه، التقت عيناه بعيني ابنه، فاجتاحت مخيلته صورة زوجته، والدة إيفان، وهي تحتضر، تهمس بكلماتها الأخيرة: «عِدني بأنك ستحمي طفلي بعد مماتي».
غيّر مسار السيف في اللحظة الأخيرة، وغرسه بقوة في الأرض، صارخًا: «خذوه من هنا حالًا!»
بعد أن رأى والده يحاول قتله، لم يعد إيفان قادرًا على الشعور بما يدور حوله؛ حتى الألم الذي كان ينهشه بينما كانوا يجرونه بقسوة لم يعد يعنيه. لم يكن يملؤه سوى شعورٍ عميق بالخيبة، وظلت عيناه المبللتان معلقتين بوالده، الذي كان يحاول كبت دموعه خلف ذلك القناع الصارم الخالي من أي تعبير.
كانت لورا تستمتع بما يحدث، لكن حين رأت الذعر يرتسم على وجه ابنها جاكسون، خوفًا من أن يكشف الملك الحقيقة فيصلبه حتى تجف عروقه، تبدلت ملامحها إلى الغضب. فإيفان ابن الملك، ومهما حدث فلن يلقى ميتةً شنيعة، أما جاكسون فلا يملك أي حق في العرش. لكن لورا كانت قد نفذت شعوذتها على الوزراء، وخوفًا من بطشها، لم يعترضوا على تولي ابنها قيادة الجيش.
رمقت الملك بحقدٍ دفين، لكنها لم تجرؤ على نطق حرف، وحدثت نفسها قائلةً: «أيها الخرف، أتوق بشدة لرؤيتك مذلولًا مثل ابنك إيفان، وللتخلص من حكمك الذي يمنعني من استخدام سحري كما ينبغي. عندها ستكون كل الممالك بين يدي، ولن يتجرأ أحد على ردع أوامري».
26 قراءة
4 إعجاب
4 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (4)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ أسبوعين
الكلاب تنبح من وراك دائما
منذ أسبوعين
@Maryana مااعرف ليش حسيتها مسبة ههههه
منذ أسبوع
روايه حلو و وضع قراء جميله جدا في جميع الانوع يلي بناسب كل الأجواء 💚 بتوفيق انشالله
منذ أسبوع
@CUMALİ ALİ شكراً لك🌸🌸

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.